وأظمأ فلا أبدي إلى الماء حاجة * وللشّمس فوق اليعملات لعاب
قال : بما ذا ؟ قلت : بقولي [ 1 ] :
ولم أنس بالنّاووس أيّامنا الألى * بها أيننا [ 2 ] محبوبها وحبابها
وفتية ضرب من زناتة ممطر * بوبل المنايا طعنها وضرابها
وقفنا على جمر من الموت وقفة * صلي لظاه دأب قومي ودابها
إذا الشمس رامت فيه أكل لحومنا [ 3 ] * جرى جشعا فوق الجياد لعابها
فصاح صيحة منكرة من صياح الجنّ كاد ينخب [ 4 ] لها فؤادي فزعا واللّه منه .
وكان بنجوة منّا جنيّ كأنّه هضبة لركانته وتقبّضه ، يحدّق فيّ دونهم ، يرميني بسهمين نافذين ، وأنا ألوذ بطرفي عنه ، وأستعيذ باللّه منه ، لأنه ملا [ 5 ] عيني ونفسي . فقال لي لمّا انتهيت ، وقد استخفّه الحسد : على من [ 6 ] أخذت الزّمير ؟ قلت : وإنما أنا نفّاخ عندك منذ اليوم ؟ قال : أجل ! أعطنا كلاما يرعى تلاع الفصاحة ، ويستحمّ بماء العذوبة والبراعة ، شديد الأسر جيّد النّظام ، وضعه على أيّ معنى شئت . قلت : كأيّ كلام ؟ قال :
ككلام أبي الطّيّب [ 7 ] :
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة * لمن بان عنه أن نلم به ركبا
نذمّ السّحاب الغرّ في فعلها به * ونعرض عنها كلّما طلعت عتبا
وكقوله [ 8 ] :
أرأيت أكبر همّة من ناقتي * حملت يدا سرحا وخفّا مجمرا
تركت دخان الرّمث في أوطانها * طلبا لقوم يوقدون العنبرا
وترفّعت ركباتها عن مبرك * تقعان فيه ، وليس مسكا أذفرا
هامش
[ 1 ] ديوان ابن شهيد : 95 .
[ 2 ] ط ب : أتينا .
[ 3 ] ب س : لحومها .
[ 4 ] ب س : ينجب .
[ 5 ] ب س : كان ملء .
[ 6 ] ب س : عمن .
[ 7 ] ديوان المتنبي : 318 .
[ 8 ] ديوان المتنبي : 540 - 541 .