لعالمة بسنائه ، هائمة بغنائه ؛ ولكنّ الزّمان لا يريد شفوفا ، ولا يرى أن يكون بالفضائل محفوفا ، ويقيم مقام درياق سفوفا ، وهو اليوم قد انقبض عن أنواع النّاس وأجناسهم ، واستوحش من إيناسهم ، وأنس بنتائج أفكاره ، وهام بعون « 1 » العلم وأبكاره ، وكلف بفنونه ، وتصرّف من سهوله إلى حزونه ، ونبذ الدّنيا نبذ النّواة ، وانتبذ من ملابسة الغواة ، وصرف وجهه تجاه البرّ والتّقوى ، وترك ريع الحظوة عافيا قد أقوى ، وعلم أنّ اللّه به حفيّ ، وأنّه له صفيّ ، حين أعلقه بأسبابه ، وصرفه عن باب الملك إلى بابه .
[ 123 / و ] / وقد أثبتّ من نثره المنتخب ، ونظمه المستحلى المستعذب ، ما تعاطيه مدامه ، ولا يدانيه قدامه « 2 » . فمن ذلك ما راجعني به عن رقعة كتبتها إليه مودّعا ووصفت فيها النّجوم « 3 » :
[ - رقعة له إلى المؤلف في النجوم ]
عذيري من ساحر بيان ، وناثر جمان ، ومظاهر إبداع وإحسان ، ما كفاه أن اعتام الجواهر اعتياما ، وجلاها في أبهج مطالعها نثرا ونظاما ، حتّى حشد الكواكب والأفلاك ، وجلبها « 4 » نحوي كتائب من هنا وهناك ، وقدما حمل لواء النّباهة ، وأعجز أدواء البداهة ، فكيف بمن نكل « 5 » حتّى عن الرويّة ، ورفض الخطابة رفضا غير ذي مثنويّة « 6 » ، وليس الغمر كالنّزر ، ورويدك أبا النّصر « 7 » ؛ فما
هامش
( 1 ) ب ق : بعيون ، ع : بعون الكلام .
( 2 ) لعله يشير إلى قدامة بن جعفر المتوفى سنة 337 ه ، الكاتب البليغ ، صاحب كتاب نقد الشعر .
( 3 ) انظر النص : الخريدة : 2 / 387 .
( 4 ) ر ب ق : وجندها ، س ط : وجنّبها .
( 5 ) ر ب : بكل ، ق : كلّ .
( 6 ) مثنوية : نسبة إلى مثنى ، بمعنى مزدوج .
( 7 ) يريد أبا نصر الفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان .