تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختصر من كتاب السياق لتاريخ نيسابور — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
والأرض خاشعة تبكّى شجوها * ويلي تولول أين إسماعيل
إن الإمام الفرد في آدابه * ما إن له في العالمين عديل
لا تخدعنك منى الحياة فإنّها * تلهى وتنسى والمنى تضليل
وتأهّبن للموت قبل نزوله * فالموت حتم والبقاء قليل
هذا كلام عبد الغافر ، وقد اشتمل من ترجمة شيخ الإسلام على ما فيه مقنع وبلاغ . [ طبقات الشافعية الكبرى ، ج 4 ، س 273 - 283 ] .

[ إمام الحرمين الجويني ]

قال عبد الغافر الفارسي الحافظ ، في سياق نيسابور : إمام الحرمين ، فخر الإسلام ، إمام الأئمة على الإطلاق ، حبر الشريعة ، المجمع على إمامته ، شرقا وغربا ، المقرّ بفضله السّراة والحداة ، عجما وعربا ، من لم تر العيون مثله قبله ، ولا ترى بعده . ربّاه حجر الإمامة ، وحرك ساعد السعادة مهده ، وأرضعه ثدي العلم والورع ، إلى أن ترعرع فيه ويفع . أخذ من العربية وما يتعلّق بها أوفر حظّ ونصيب ، فزاد فيها على كل أديب ، ورزق من التوسّع في العبارة وعلوّها ما لم يعهد من غيره ، حتى أنسى ذكر سحبان ، وفاق فيها الأقران ، وحمل القرآن ، فأعجز الفصحاء اللّدّ ، وجاوز الوصف والحدّ ، وكل من سمع خبره ورأى أثره ، فإذا شاهده أقرّ بأن خبره يزيد كثيرا على الخبر ، ويبرّ على ما عهد من الأثر . وكان يذكر دروسا ، يقع كلّ واحد منهما في أطباق وأوراق ، لا يتعلثم في كلمة ، ولا يحتاج إلى استدراك عثرة ، مرّا فيها كالبرق الخاطف ، بصوت مطابق كالرّعد القاصف ، ينزف فيه له المبرّزون ، ولا يدرك شأوء المتشدّقون المتعمقّون ، وما يوجد منه في كتبه من العبارات البالغة كنه الفصاحة غيض من فيض ما كان على لسانه ، وغرفة من أمواج ما كان يعهد من بيانه . تفقه في صباه على والده ركن الإسلام ، فكان يزهى بطبعه وتحصيله ، وجودة قريحته ، وكياسة غريزته ، لما يرى فيه من المخايل ، فحلفه فيه من بعد وفاته ، واتى على جميع مصنّفاته ، فقلبها ظهرا البطن ، وتصرّف فيها ، وخرّج المسائل بعضها على بعض ، ودرّس سنين ، ولم يرض في شبابه