ولم تزل الشعراء تسليه عن نكبته ، وتمنّيه بالعود إلى رتبته ، بأفصح مقال وأملح انتقال ، فمن ذلك قول الوزير أبي جعفر البني : [ من الطويل ]
أترضى عن الدّنيا فقد تتشوّف * لعمر المعالي إنّها بك تكلف
في أبيات ثمانية .
فإن هذا البني الوزير الذي يدعو له الرئيس الأجل أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر بالبقاء ليس هو البني المستهتر الذي دعا عليه الفتح في ترجمته ، لكنه التبس عليه الأمر فخلط بين أشعارهما ، وربما خلط شعر غيرهما أيضا فيما ذكره في الترجمة .
وفي هذين الموضعين تأكيد لما مرّ من أن المذكور في ( القلائد ) هو البني - بالنون - وليس البتي كما تخيله بعضهم من مؤرخين ومحققين .
والآن نكتفي بهذه المناقشات مع عشرة من أساتذة المحققين فيما وهموا فيه ، على أنّا لم نقصد بذلك غمز الأساتذة أو التقليل من أهمية تحقيقاتهم ، إلا أن إيماننا بخدمة العلم وإظهار الحقيقة هو الذي سوّغ لنا صرف الوقت في تحقيق ذلك تنبيها للقارئ ، لئلا يؤخذ ببهرجة الألقاب ، وحسبي في هذا مساهمة في إذاعة الصحيح .
3 ظلامة الناسخ :
لم يكن ما لحق المؤلف من ظلامة الناسخ دون ما أصابه من المؤرخين ومن قبلهم جميعا القنبيطور ، فإن يكن ذلك الطاغية أحرق جسمه ، وأولئك التبس عليهم تعريفه ورسمه ، فإن الناسخ هو الآخر أجهز عليه فسدد قلمه ، واقتحم على حمى أبيه ليضيع لنا اسمه .