لقيه ووفاه من الحق ما يجب أن يوفيه إياه . والطيّار يباكر بابه .
وانصرف أبو الحسن ، وعاد أبو جعفر إلى معز الدولة فقال له : وافى علىّ ابن عيسى للقائك « 1 » وخدمتك ، فاعتذرت إليه عنك بأنك على نبيذ ، ولم يجز أن يراك عليه . فقال : من علىّ بن عيسى ؛ فقال : وزير المقتدر باللّه . فقال : ذلك العظيم ؟
قال : نعم . قال : ما وجب أن تردّه فإني كنت أقوم إلى مجلس آخر وألقاه فيه « 2 » .
فقال : ما كان يحسن أن يشم منك رائحة شراب . وفي غد يباكرك . فقال معزّ الدولة :
وكيف أعامله ؟ وما الذي أقول له ؟ فقال له الصيمرىّ : تنزعج له بعض الانزعاج وترفع مجلسه وتعطيه مخدّة من مخادّك وتقول له : ما زلت مشتاقا إلى لقائك ، ومتشوّفا « 3 » للاجتماع معك . وأريد أن تشير علىّ في تدبير الأمور وعمارة البلد بما يكون الصّواب فيه عندك .
وجاء أبو الحسن علىّ بن عيسى من غد ، ودخل على معزّ الدولة ، فوفّاه من الإجلال والإكرام أكثر مما واقفه عليه أبو جعفر ، وأعطاه مخدّة من دسته « 4 » فقبلها أبو الحسن ، وقال له ما يقال لمثله ، فقال له معزّ الدولة : كنا نسمع بك فيعظم عندنا أمرك ، ويكثر في نفوسنا ذكرك . وقد شاهدت منك الآن ما كنت مؤثرا وإليه متطلعا . والدنيا خراب . والأمور على ما تراه من الانتشار « 5 » ، فأشر علىّ بما عندك في إصلاح ذلك . فقال له أبو الحسن : هذه النّيّة منك أيها الأمير داعية إلى الخير ، ومسهّلة إلى النّجح ، وطريق العمارة ، ودرور المادّة ، واستقامة أمر الجند والرّعيّة والعدل . والذي أهلك الدنيا ، وأذهب الأموال ، وأخرج الممالك عن يد السلطان
هامش
( 1 ) في النسخة : للقاء بك
( 2 ) في النسخة : واللقاء فيه
( 3 ) في النسخة : ومتشوقا .
( 4 ) الدست : صدر المكان الذي هو جالس عليه .
( 5 ) الانتشار : التفرق .