تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
إلا وقفت . فوقف ثم قال لي : قل وأوجز . قلت توصيني بوصية أحفظها منك وتدعو لي بدعوة : فأنشأ يقول :
يا طالب العلم هاهنا وهنا * ومعدن العلم من جنبيكا ان كنت تبغى الجنان تسكنها * فاذرف الدمع فوق خديكا وقم إذا قام كل مجتهد * تدعوه كي ما يقول لبيكا
ثم مضى وقال : يا غياث المستغيثين أغثني . فقلت له : ارفق بنفسك فلعله يلحظك لحظة فيغفر لك . فصرف يده من يدي وعدا وهو يقول :
انست به فلا أبغى سواه * مخافة ان أضل فلا أراه فحسبك حسرة وضنا وسقما * بطردك من مجالس أولياه
. * حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرئ على أبى الحسن أحمد بن محمد بن عيسى وأنا حاضر قال سمعت يوسف بن الحسين يقول قال الفتح بن شخرف : كان سعدون صاحب محبة للّه لهج بالقول صام ستين سنة حتى خف دماغه فسماه الناس مجنونا لتردد قوله في المحبة . قال الفتح : فغاب عنا زمانا وكنت إلى لقائه مشتاقا لما كان وصف لي من حكمة قوله ، فبينا أنا بفسطاط مصر قائما على حلقة ذي النون فرأيته عليه جبة صوف على ظهره مكتوب : لاتباع ولا توهب . وذو النون يتكلم في علم الباطن فناداه سعدون : متى يكون القلب أميرا بعد ما كان أسيرا ؟ فقال ذو النون إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلا حبه لأنه الجليل العزيز . قال : فصرخ صرخة خر مغشيا عليه ثم أفاق من غشيته وهو يقول :
ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى * ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر
ثم قال : أستغفر اللّه غلب على حبيبي ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . ثم قال : يا أبا الفيض إن من القلوب قلوبا تستغفر قبل أن تذنب ؟ قال نعم تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع . قال : يا أبا الفيض اشرح لي ذلك . قال : يا سعدون أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين ، فهم قد فطموا النفوس من روح الشهوات ، فهم رهبان من الرهابين ، وملوك في العباد ، وأمراء في