الجبارين ، ولا تولى المتكبرين ، ولا مصافاة المترفين ، يا أوليائي وأحبابي جزائي لكم أفضل الجزاء ، وإعطائى لكم أفضل العطاء ، وبذلى لكم أفضل البذل ، وفضلى عليكم أوفر الفضل ، ومعاملتى لكم أوفى المعاملة ، ومطالبتى لكم أشد مطالبة ، وأنا مقدس القلوب ، وأنا علام الغيوب ، وأنا عالم بمجال الفكر ، ووسواس الصدور من أرادكم قصمته ، ومن عاداكم أهلكته . ثم قال ذو النون بحبك وردت قلوبهم على بحر محبته فاغترفت منه ريا من الشراب فشربت منه بمخاطر القلوب ، فسهل عليها كل عارض عرض لها عند لقاء المحبوب ، فواصلت الأعضاء المبادرة ، وألفت الجوارح تلك الراحة ، فهم رهائن أشغال الأعمال ، قد اقتلعتهم الراحة بما كلفوا أخذه عن الانبساط بما لا يضرهم تركه ، قد سكنت لهم النفوس ، ورضوا بالفقر والبوس ، واطمأنت جوارحهم على الدءوب على طاعة اللّه عز وجل بالحركات ، وظعنت أنفسهم عن المطاعم والشهوات ، فتوالهوا بالفكرة ، واعتقدوا بالصبر ، وأخذوا بالرضا ، ولهوا عن الدنيا ، وأقروا بالعبودية للملك الديان ، ورضوا به دون كل قريب وحميم ، فخشعوا لهيبته ، وأقروا له بالتقصير ، وأذعنوا له بالطاعة ، ولم يبالوا بالقلة ، إذا خلوا ، بأقل بكاء وإذا عوملوا فإخوان حياء وإذا كلموا فحكماء وإذا سئلوا فعلماء وإذا جهل عليهم فحلماء فلو قد رأيتهم لقلت عذارى في الخدور ، وقد تحركت لهم المحبة في الصدور بحسن تلك الصور التي قد علاها النور ، إذا كشفت عن القلوب رأيت قلوبا لينة منكسرة ، وبالذكر نائرة وبمحادثة المحبوب عامرة ، لا يشغلون قلوبهم بغيره ، ولا يميلون إلى ما دونه ، قد ملأت محبة اللّه صدورهم ، فليس يجدون لكلام المخلوقين شهوة ، ولا بغير الأنيس ومحادثة اللّه لذة ، إخوان صدق وأصحاب حياء ووفاء وتقى وورع وإيمان ومعرفة ودين ، قطعوا الأودية بغير مفاوز ، واستقلوا الوفاء بالصبر على لزوم الحق ، واستعانوا بالحق على الباطل فأوضح لهم الحجة ، ودلهم على المحجة ، فرفضوا طريق المهالك ، وسلكوا خير المسالك ودلهم أولئك هم الأوتاد الذين بهم توهب المواهب ، وبهم تفتح الأبواب ، وبهم ينشأ السحاب ، وبهم يدفع العذاب ، وبهم يستقى العباد والبلاد ، فرحمة اللّه علينا وعليهم .
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 338
مساهمون: أبي نعيم الأصبهاني
ص٣٣٨