فيما بينك وبين الخلائق فان استطعت أن تغنم نفسك وأهلك ، وان لا تخسر نفسك وأهلك فافعل ، ولا قوة الا باللّه . فإنه قد كان قبلك رجال عملوا بما عملوا ، وأماتوا ما أماتوا من الحق ، وأحيوا ما أحيوا من الباطل ، حتى ولد فيه رجال ونشئوا فيه وظنوا أنها السنة ، ولم يسدوا على العباد باب رخاء إلا فتح عليهم باب بلاء ، فان استطعت أن تفتح عليهم أبواب الرخاء فإنك لا تفتح عليهم منها بابا الا سد به عنك باب بلاء ، ولا يمنعك من نزع عامل أن تقول لا أجد من يكفيني عمله ، فإنك إذا كنت تنزع للّه وتعمل للّه أتاح اللّه لك رجالا وكالا بأعوان اللّه ، وإنما العون من اللّه على قدر النية فإذا تمت نية العبد تم عون اللّه له ، ومن قصرت نيته قصر من اللّه العون له بقدر ذلك ، فان استطعت أن تأتى اللّه يوم القيامة ولا يتبعك أحد بظلم ويجيء من كان قبلك وهم غابطون لك بقلة اتباعك وأنت غير غابط لهم بكثرة أتباعهم فافعل ، ولا قوة الا باللّه . فإنهم قد عاينوا وعالجوا نزع الموت الذي كانوا منه يفرون ، وانشقت بطونهم التي كانوا فيها لا يشبعون ، وانفقأت أعينهم التي كانت لا تنقضى لذاتها ، واندقت رقابهم في التراب غير موسدين بعد ما تعلم من تظاهر الفرش والمرافق ، فصاروا جيفا تحت بطون الأرض تحت آكامها ، لو كانوا إلى جنب مسكين تأذى بريحهم ، بعد إنفاق ما لا يحصى عليهم من الطيب ، كان اسرافا وبدارا عن الحق ، فانا للّه وإنا إليه راجعون .
ما أعظم يا عمر وأفظع الذي سيق إليك من أمر هذه الأمة ، فأهل العراق فليكونوا من صدرك بمنزلة من لا فقر بك اليه ، ولا غنى بك عنه ، فإنهم قد وليتهم عمال ظلمة قسموا المال وسفكوا الدماء ، فإنه من تبعث من عمالك كلهم ان يأخذوا بجبية ، وان يعملوا بعصبية ، وان يتجبروا في عملهم ، وان يحتكروا على المسلمين بيعا ، وان يسفكوا دما حراما . اللّه اللّه يا عمر في ذلك فإنك توشك ان اجترأت على ذلك أن يؤتى بك صغيرا ذليلا ، وان أنت اتقيت ما أمرتك به وجدت راحته على ظهرك وسمعك وبصرك ، ثم انك كتبت إلى تسأل أن أبعث إليك بكتب عمر بن الخطاب وسيرته وقضائه في
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء — صفحة 285
مساهمون: أبي نعيم الأصبهاني
ص٢٨٥