وأمّا من فسّر القرآن ضمن هذا المجال المعرفى أيضاً ولكن بالرجوع إلى من جعلهم الله تعالى أئمّة يهدون بأمره ، فصاروا علماً ومرجعاً ومناراً ومداراً يدور معهم الحقّ حيث داروا ، فذلك منجى له وحصن ، ويجعله مخاطباً بالقرآن بواسطة ذلك المدار الحقّ .
التوحيد محور جميع الحقائق القرآنيّة
من الحقائق التي يمكن استظهارها معرفيّاً : أنّ الآيات القرآنيّة على اختلاف مضامينها وتشتّت مقاصدها وأغراضها تنتهى جميعاً إلى معنى واحد بسيط وغرض فارد أصلىّ لا تكثّر فيه ولا تشتّت ، بحيث لا تروم آية من الآيات
الكريمة مقصداً من المقاصد ولا ترمى إلى هدف إلّا والغرض الأصلي هو الروح الساري في جثمانه والحقيقة المطلوبة منه .
فلا غرض لهذا الكتاب الكريم على تشتّت آياته وتفرّق أبعاضه إلّا غرض واحد متوحّد ، إذا فصّل كان في مورد أصلًا دينيّاً وفى آخر أمراً خلقياً وفى ثالث حكماً شرعيّاً ، وهكذا كلّما تنزّل من الأصول إلى الفروع ، ومن الفروع إلى فروع الفروع لم يخرج عن معناه الواحد المحفوظ . فهذا الأصل الواحد بتركّبه يصير كلّ واحد واحد من أجزاء تفاصيل العقائد والأخلاق والأعمال ، وهى بتحليلها وإرجاعها إلى الروح الساري فيها الحاكم على أجسادها ، تعود إلى ذاك الأصل الواحد .
وهذا الأصل الأصيل هو توحيده تعالى بما يليق بساحة عزّه وكبريائه ، فيظهر في مقام الاعتقاد في لباس أسمائه الحسنى وصفاته