وهؤلاء الأعيان من الصّحابة كانوا قد تفرّغوا لأخذ القرآن والاعتناء بحفظه ، والّذين أمر النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم بأخذ القرآن عنهم كانوا قد عرضوا عليه قراءتهم وعلم إتقانهم ؛ ولذا زكّاهم .
وستأتي في مرحلة جمع القرآن في عهد أبي بكر الإشارة إلى كثرة من قتل من القرّاء في حرب المرتدّين ممّا يدلّ على وجود الحفظ في آخرين من الصّحابة ، وجائز أن يكون عند بعضهم القرآن كلّه ، مثلما وقع لهؤلاء النّفر المذكورين هنا من أصحاب النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، كما يجوز أن يكون عند بعضهم بعضه لا كلّه .
الصّورة الثّانية : الحفظ في السّطور .
لم يكن الاعتماد على الصّدور وحده كافيا لحفظ القرآن الّذي أراد اللّه تعالى أن يبقى دستورا للبشر إلى قيام السّاعة ، فإنّ حفظ الصّدور لغير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتريه ما كتب اللّه على بني آدم من النّسيان والوهم ، وبناء الثّقة في الدّين عليه مجرّدا غير ممكن ، لذلك كان التّدوين والكتابة ضرورة لا بدّ منها لحفظه وإبقاء قدسيّته ، والقرآن نفسه أشعر بضرورة الكتابة في مواضع كثيرة ، فإنّ اللّه تعالى سمّاه ( الكتاب ) ، وهذا يقتضي أن يكون مكتوبا .
ولذا كان النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد اتّخذ جماعة مأمونة من أصحابه ممّن كان
هامش
عن ابن جريج ، قال : سمعت ابن أبي مليكة يحدّث ، عن يحيى بن حكيم بن صفوان ، أنّ عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، قال : جمعت ( وفي لفظ : حفظت ) القرآن فقرأته في ليلة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّي أخشى أن يطول عليك الزّمان وأن تملّ ، اقرأ به في كلّ شهر » . . وذكر سائر الحديث .
قلت : وإسناده صالح ، والقصّة صحيحة .