ففي هذا زيادة على ما تقدّم ذكره في هذه المقدّمة تؤكّد أنّ رفع الآية بعد إنزالها كان أمرا معلوما على عهد التّنزيل ، وأنّه يقع لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وأمّا المعنى في هذه الآية ، فكما قال ابن جرير : « إنّه جلّ ثناؤه لم يخبر أنّه لا يذهب بشيء منه ، وإنّما أخبر أنّه لو شاء لذهب بجميعه ، فلم يذهب به والحمد للّه ، بل إنّما ذهب بما لا حاجة بهم إليه منه ، وذلك أنّ ما نسخ منه فلا حاجة بالعباد إليه ، وقد قال اللّه تعالى ذكره :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى 6 إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
، فأخبر أنّه ينسي نبيّه منه ما شاء ، فالّذي ذهب منه الّذي استثناه اللّه » « 1 » .
الشّبهة الثّالثة : قوله تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ 9
[ الحجر : 9 ] ، قالت طائفة : لم ينزل على النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم قرآن إلّا ما بين اللّوحين ؛ لهذه الآية ، فأنكروا منسوخ التّلاوة .
وأقول : إنّما يصحّ هذا لو ادّعى أحد النّسخ بغير ما أنزل اللّه ، أو جوّزه بعد عهد التّنزيل ، ولا يقول بهذا أحد ، واللّه تعالى قد حفظ القرآن من أن يرد عليه تبديل أو تغيير حتّى من جهة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، أمّا هو سبحانه فإنّه يفعل ما يشاء ، كما قال :
قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
[ يونس : 15 ] .
الشّبهة الرّابعة : أنكرت طائفة منسوخ التّلاوة بزعمهم أنّه لم يأت إلّا من طريق روايات آحاد ، وهذا الفريق لا ينكر مبدأ النّسخ أصلا ، إنّما ينكر هذا النّوع خاصّة بهذه الدّعوى .
هامش
( 1 ) تفسير ابن جرير ( 1 / 479 ) .