قال الأديب الرّافعيّ : « فقطع أنّهم لن يفعلوا ، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلّا من اللّه ، ولا يقولها عربيّ في العرب أبدا ، وقد سمعوها واستقرّت فيهم ودارت على الألسنة ، وعرفوا أنّها تنفي عنهم الدّهر نفيا ، وتعجزهم آخر الأبد ، فما فعلوا ولا طمعوا أن يفعلوا ، وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم ، فلمّا رأوا هممهم لا تسمو إلى ذلك ، ولا تقارب المطمعة فيه ، وقد انقطعت بهم كلّ سبيل إلى المعارضة ، بذلوا له السّيف ، وانصرفوا عن توهّن حجّته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام ، فقالوا : ساحر ، وشاعر ، ومجنون ، ورجل يكتتب أساطير الأوّلين ، وإنّما يعلّمه بشر ، وأمثال ذلك ، ممّا أخذت به الحجّة عليهم ، وكان إقرارا منهم بالعجز ، إذ جنحوا فيه إلى سياسة الطّباع والعادات » « 1 » .
وإنّما حالهم كما قال اللّه عز وجلّ :
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
[ الفرقان : 9 ] .
ثمّ إنّ هذا القرآن قد اشتمل من القاموس العربيّ على أحسن الكلمات وأفصحها ،
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
[ الزّمر : 23 ] ، أمّا في تركيب جمله ، وتناسق عباراته ، ومقاطع آياته ، فهو الفرد الّذي لا نظير له .
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 3
[ فصّلت : 3 ] ،
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ 27 قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ 28
[ الزّمر : 28 ] .
فكم ترى يكون في الكلام من المعاني أو البيان أو البديع ، فإنّ
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن ، لأديب الإسلام مصطفى صادق الرّافعي ( ص : 170 ) .