تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 805

مساهمون:

ص٨٠٥
بتمام التوبة ، وربما يكره الموت خيفة من أن يختطفه قبل تمام التوبة وقبل إصلاح الزاد ، وهو معذور في كراهة الموت ، ولا يدخل هذا تحت قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كره لقاء الله كره الله لقاءه » 24 . فإن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله ، وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره ، وهو كالذي يتأخر عن لقاء الحبيب مشتغلا بالاستعداد للقائه على وجه يرضاه ، فلا يعد كارها للقائه ، وعلامة هذا أن يكون دائم الاستعداد له ، لا شغل له سواه وإلا التحق بالمنهمك في الدنيا . وأما العارف : فإنه يذكر الموت دائما لأنه موعد لقائه لحبيبه ، والمحب لا ينسى قط موعد لقاء الحبيب ، وهذا في غالب الأمر يستبطئ مجىء الموت ، ويحب مجيئه ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين . كما روى عن حذيفة : أنه لما حضرته الوفاة قال : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم ؛ اللهم إن كنت تعلم أن الفقر أحب إلىّ من الغنى والسقم أحب إلىّ من الصحة ، والموت أحب إلىّ من العيش فسهل علىّ الموت حتى ألقاك . فإذن : التائب معذور في كراهة الموت . وهذا معذور في حب الموت وتمنيه . وأعلى منهما رتبة : من فوّض أمره إلى الله تعالى فصار لا يختار لنفسه موتا ولا حياة ، بل يكون أحب الأشياء إليه أحبها إلى مولاه ، فهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى مقام التسليم والرضا وهو الغاية والمنتهى 25 .

* حقيقة النهاية :

وقد ظن الملاحدة : أن الموت انتهاء مسار رحلة الإنسان ، والخاتمة الأبدية له ، حيث لا رحلة بعده ، ولا حياة ولا بعثا ولا نشورا
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
( الأنعام : 29 ) . وأما الحقيقة التي غابت عنهم وغابوا عنها ، والتي عرفها المسلمون من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم لهذه النهاية : أنها انتقال من عالم من عوالم الله - سبحانه وتعالى - إلى عالم آخر من عوالمه - عز وجل . انتقال من دار الدنيا إلى دار البرزخ ، تمهيدا للوصول إلى الدار الآخرة . انتقال من دار الزرع إلى دار الحصاد ، من دار الفناء إلى دار البقاء . انتقال من دار التكليف والعمل الدنيوي ، إلى دار الثواب والعقاب الأخروى 26 .
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ( 7 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
( الزلزلة : 7 ، 8 ) .