تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 759

مساهمون:

ص٧٥٩
ما روى عن ابن عباس ، أنه قال : ما كنت أدرى ما فاطر السماوات والأرض ، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي : أنا ابتدأت حفرها . وذكر أبو العباس أن ابن الأعرابي يقول : أنا أول من فطر هذا ، أي : ابتدأه . 3 - وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر : فطرة الله هي : الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه ( 75 ) ، أي : أن كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة ، يعنى : خلقة مخالفة لخلقة البهائم ، التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته ، واستدلوا لذلك بقوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( فاطر : 1 ) . يعنى خالقهن . قال أبو عمر بن عبد البر : هذا الأخير أصح ما قيل في معنى « فطرة الله » التي يولد الناس عليها ، ودلل على ذلك ، واحتج له . قال القرطبي : وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له ، ذهب غير واحد من المحققين ، منهم ابن عطية في « تفسيره » في معنى « الفطرة » ، وشيخنا أبو العباس . قال ابن عطية : والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة : أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل ، التي هي مهيأة ومعدة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى ، ويستدل بها على ربه ، ويعرف شرائعه ، ويؤمن به ، فكأنه تعالى قال :
أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ
الذي هو الحنيف ، وهو فطرة الله ، الذي على الإعداد له فطر البشر ، لكن تعترضهم العوارض ، ومنه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه ، أو ينصّرانه أو يمجّسانه . . . » الحديث . فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة ، حيث إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق ، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات ، فما دامت باقية على ذلك القبول ، وتلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام ، وهو الدين الحق ( 75 ) . هذا وقد أجاب أصحاب هذا القول . . . عن القول الأول : بأنه يستحيل أن تكون الفطرة المذكورة هي الإسلام ، ذلك أن الإسلام والإيمان . قول باللسان ، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، وهذا معدوم من الطفل ، لا يجهل ذلك ذو عقل . كما أجابوا عن القول الثاني ، الذي هو « البداءة » : بانكارهم أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان ، أو معرفة أو إنكار ، حيث قالوا : إن المولود يولد على السلامة في الأغلب ، خلقة ، وطبعا ، وبنية ، ليس معها : إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ، ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا .