تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
جاءت في هاتين الآيتين ضروب عدة من البديع نذكرها فيما يلي : ( أ ) المشاكلة : وذلك في قوله تعالى
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
وهي مشاكلة من النوع الثاني الذي ذكروه في قولهم : « المشاكلة هي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا » 5 . فهي مشاكلة تقديرية . وذلك بناء على ما ذكره المفسرون . فالزمخشرى يقول « ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة . فقالوا : أما يستحى رب محمد أن يضرب مثلا بالذباب - إشارة إلى قوله تعالى :
لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً
6 فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال - وهو فن من كلامهم بديع وطراز عجيب منه قول أبى تمام :
من مبلغ أبناء يعرب كلها * أنى بنيت الجار قبل المنزل
ويلاحظ أن اللفظ « المشاكل » هنا مجازى المعنى حقيقته الترك . فمعنى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي
أي لا يترك الضرب بالبعوضة ترك من يستحى أن يمثل بها لحقارتها . . . لأن الحياء تغير وانكسار يعترى الإنسان من تخوف ما يعاب به أو يذم 7 وهو بهذا المعنى مستحيل في جانب اللّه . إذن فقد اجتمع هنا لونان بديعيان : المشاكلة . . وقد تقدم شرحها . ( ب ) والمماثلة أو التمثيل . . وقد سبق أنهم يعتبرونه لونا بديعا . وسبق كذلك أنه عندهم يطلق على عدة أمور : الاستعارة المفردة ، الاستعارة التمثيلية ، المثل السائر . ( ج ) الإبهام : وذلك بناء على ما ذكره المفسرون - كذلك - من أن « ما » في قوله تعالى :
ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
أن « ما » الأولى إبهامية ، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما وزادته شيوعا وعموما 8 وكون « ما » إبهامية مشروط بنصب « بعوضة » - كما هي القراءة المشهورة - وإن رفعت « بعوضة » فإن « ما » تصبح موصولة . ( د ) التوجيه : وذلك في قوله تعالى :
فَما فَوْقَها
فإن الفوقية هنا لها معنيان ، أحدهما : فما تجاوزها في المعنى الذي ضربت فيه وهو القلة والحقارة . وثانيهما : فما زاد عليها في الحجم . ولما كان أحد هذين المعنيين لم تنصب قرينة على إرادته بعينه ، وبقي الفهم والاعتقاد شركة بينهما حصل النوع البديعى الذي يسمونه « التوجيه » ؛ وهو أن يكون للفظ معنيان لم تقم قرينة على إرادة أحدهما . والمتأمل يرى أن كلا المعنيين هنا صالح للفهم والاعتقاد .
الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 559 | محمود حمدي زقزوق