تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
ومن الكاتبين من خصوا هذا النوع السابق باسم الجدل في القرآن . ولقد أجاد الإمام السيوطي في كلامه عن هذا النوع من علوم القرآن فذكر ما ملخصه : أن نجم الدين الطوفي أفرد الجدل في القرآن بالتصنيف ، ونقل عن العلماء : أن القرآن اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة ، ولكن أوردها على عادة العرب مبتعدا عن دقائق طرق المتكلمين لأمرين هما : قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
7 ، وأن مخاطبته في محجة خلقه جاءت في أجلى صورة ليفهمها العامة لا القليلون ، فتلزم الجميع الحجة . ونقل عن ابن أبي الأصبع أن الجاحظ زعم أن المذهب الكلامي لا يوجد منه شئ في القرآن . ورد عليه بأنه مشحون به . ثم عرف الجدل بأنه : ( احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له فيه على طريقة أرباب الكلام ) . ومنه نوع منطقي تستنتج منه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة ، فالإسلاميون ذكروا أن أول سورة الحج إلى قوله تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ
8 خمس نتائج تستنتج من عشر مقدمات : قوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
9 ؛ لأنه قد ثبت عندنا بالخبر المتواتر أنه تعالى أخبر بزلزلة الساعة معظما لها ، وذلك مقطوع بصحته ، لأنه خبر أخبر به من ثبت صدقه عمن ثبتت قدرته ، منقول إلينا بالتواتر ، فهو حق ، ولا يخبر بالحق عما سيكون إلا الحق ، فاللّه هو الحق . وأخبر تعالى أنه يحيى الموتى ؛ لأنه أخبر عن أهوال الساعة بما أخبر ، وحصول فائدة هذا الخبر موقوفة على إحياء الموتى ، ليشاهدوا تلك الأهوال التي يعملها اللّه من أجلهم ؛ وقد ثبت أنه قادر على كل شئ ، ومن الأشياء إحياء الموتى ، فهو يحيى الموتى ، وأخبر أنه على كل شئ قدير ، لأنه أخبر أنه من يتبع الشياطين ، ومن يجادل فيه بغير علم يذقه عذاب السعير ، ولا يقدر على ذلك إلا من هو على كل شئ قدير ، فهو على كل شئ قدير ، وأخبر أن الساعة آتية لا ريب فيها ، لأنه أخبر بالخبر الصادق أنه خلق الإنسان من تراب إلى قوله :
لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً
10 ، وضرب لذلك مثلا بالأرض الهامدة التي ينزل عليها الماء ، فتهتز وتربو ، وتنبت من كل زوج بهيج ، ومن خلق الإنسان على ما أخبر به فأوجده بالخلق ثم أعدمه بالموت ، ثم يعيده بالبعث ، وأوجد الأرض بعد العدم فأحياها بالخلق ، ثم أماتها بالجدب ، ثم أحياها بالخصب ، وصدق خبره في ذلك كله بدلالة الواقع المشاهد على المتوقع الغائب ؛ حتى انقلب الخبر عيانا صدق خبره في الإتيان بالساعة ، ولا يأتي بالساعة إلا من