وكذلك المكان كمصر والأحقاف والكهف ، وهذه تعدّ الميزة الأولى في القصص القرآني التي تميزه عن سائر القصص .
أما الميزة الثانية للقصص القرآني فهي الواقعية الصادقة الحقة ، فليس فيه شئ من نسج الخيال والأساطير ، أو ما يكذبه الواقع أو التاريخ ، وسواء في هذا الصدق ما جاء لضرب المثل أو لم يكن كذلك ، وإن جوّز بعض علمائنا التقدير في الأول في المثل مع احتمال التحقيق ، منهم : العلامة أبو السعود العمادي في قصة القرية الآمنة في سورة النحل 10 وفي قصة الرجلين 11 ، ولكن هذا لا يصح ، فإن مجرد القراءة بدون تأمل تكشف زيف احتمال التقدير في القصتين . ولكنّ العلامة أبا السعود لم يكن يعلم أن خبث الطوية سيدفع بعضهم إلى ادعاء تبنى الإسلام للأساطير متبعين في ذلك خطوات أعداء الإسلام .
وثالثة هذه الميزات تغيى القرآن في قصصه أسمى الغايات ، فلا يستهدف كغيره من القصص الترويح ولا الإيناس حتى ولو طلب بعض أصحاب النبىّ صلّى اللّه عليه وسلم ذلك منه ، فيردهم القرآن عن ذلك بقوله تعالى :
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
12 . وكذلك عندما قالوا له صلّى اللّه عليه وسلم : لولا حدثتنا . فنزل قوله تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً
13 ورويت روايات أخرى في سبب نزول الآية - مع التسليم بفرض صحتها - نجد أن الصحابة إنما سألت ذلك لدفع الملال ، فدلهم - سبحانه - على أحسن القصص .
وكذلك لا يقصد القصص القرآني سرد الأحداث التاريخية لمجرد ذكر التاريخ أو المساهمة في دراسات العمران البشرى ، بل يقصد ما هو أسمى ، وهو وضع المعيار لما يجب أن يكون وكيف تكون عاقبة من يخالفه .
ولقد استوفى صاحب « التحرير والتنوير » المزيد مما ذكرنا من ميزات القصص القرآني ، فقد ذكر أن القصص القرآني لا تقف أهدافه عند العبرة والعظة مما يقع لأهل الصلاح وأهل الفساد وعاقبة كل ، بل يتعدى ذلك ليأخذ من كل قصة أشرفها وأسماها ليكون منزها عن التفكه ؛ ولذا تأتى القصص متفرقة على غير سنن كتب التاريخ لمناسبة الفوائد العظيمة في كل موضع ، وهذا يجعل القصة القرآنية تكتسب صفتين هما : صفة البرهان ، وصفة البيان .
وذكر من ميزات القصص القرآني نسجه على أسلوب الإيجاز يجعله شبيها بالتذكير أقوى ، مثال ذلك قوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ( 26 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 27 ) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
14 فجاء قوله لهم موجزا ليناسب مقام التذكير .