تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموسوعة القرآنية المتخصصة — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
ثم ذكر أن عدم الغرابة المعتبرة « هي عند العرب العاربة لا عند غيرهم ، فلا تعتبر الغرابة عند غيرهم وجودا ولا عدما 5 » إذن الغريب قسمان : ( 1 ) قبيح غير مأنوس الاستعمال لدى جمهور العرب العاربة ، وهو عيب يخل بالفصاحة ، ولذا لا يشتمل القرآن على شئ منه ؛ لأنه إن وجد جرّ لنسبة الجهل أو العجز له سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، كما يقول السعد في شرحه « لمختصر التلخيص » 6 قلت : « أو السفه والعبث ؛ لأنه - سبحانه وتعالى - إن لم يعلم بعدم فصاحة الكلمة لزم نسبة الجهل إليه ، وإن علم فلم يستطع وضع الفصيح لزم العجز ، أو استطاع ولم يضع ، لزم العبث بتعريض القرآن لما يسقط حجيته ، ونبيه لما يذهب نبوته ؛ ولذا لا شئ منه في كلام الله - سبحانه وتعالى - ولا كلام نبيه صلّى اللّه عليه وسلم . » ( 2 ) حسن مأنوس لدى جمهور العرب الخلّص ، وإن غمض على من سواهم بقدر ما يجهلون من مدلول اللغة ، أما العرب لا يتصور في حقهم الجهل بهذا القسم ، وإلا صار كالأول وللزمت منه مفسدة فوق ما ذكرنا ، وهي التناقض بأن نجعله عند العرب حسنا مأنوس الاستعمال ، ونجعله كذلك عندهم قبيحا مهجور الاستعمال ، وكذلك يستلزم اختلال القسمة ؛ لأن المقسوم ليس أعم من أقسامه ، بل القسم الواحد هو عين مقسومة وهو عين القسم الآخر فالغريب ليس أعم من القبيح بل هو عين القبيح ، والقبيح هو عين الحسن فليس هناك قسمة . والذي دفعنا لهذا التفصيل هو غفلة بعض أصحاب الرواية عنه ، وهم الذين يشترطون لصحة الحديث خلوه من الشذوذ والعلة ، ومع ذلك ينقلون عن جماهير الصحابة أنهم كانوا - وهم العرب الخلص - يجهلون مدلول اللغة ، وهذا يستلزم جميع المعاني السابق ذكرها ، ودفعهم إلى ذلك حرفيتهم في اتباع صحة السند ما رواه أبو عبيد القاسم وابن سعد عن أبي بكر الصديق وعمر - رضى اللّه عنهما - في عدم معرفة ( الأب ) في قوله تعالى :
وَفاكِهَةً وَأَبًّا
، وإن كان ابن كثير أعلّ الأثر المروى عن أبي بكر بالانقطاع ؛ لعدم إدراك إبراهيم التيمي - الراوي عن أبي بكر - أبا بكر الصديق ، ولكنه لعله رفعه لدرجة الحسن بالأثرين الشاهدين له عن عمر رضي اللّه عنه ، وتكلف ابن كثير في تأويل الأثر بأن عمر رضي اللّه عنه أراد استكشاف علم كيفية الأب ، وإلا فكونه نبتا في الأرض معلوم لقوله تعالى :
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا
وكان يكفى الحافظ إعلال متن الأثر بما سبق أن ذكرنا من علة متمثلة في المفاسد السابقة .