القسم الستون حسن النسق
وهو أن تأتي بكلمات من النثر أو النظم متتاليات ومتعاقبات منسوقة بعضها على بعض بحرف العطف ، كل كلمة إذا أفردت كانت تقوم بمعنى مفرد مستقبل ، وكل بيت إذا جرد من تلوه استقل معناه ولم يفتقر إلى غيره ، وإن ضم إليه تلوه صارا كأنهما بيتا واحدا . . ومنه في الكتاب العزيز قوله تعالى :
وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
فأنت ترى هذه الجمل معطوفا بعضها على بعض بواو النسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة ، لأنه سبحانه بدأ بالأهم إذ كان المراد إطلاق أهل السفينة من سجنها ، ولا يتهيأ لذلك الّا بانكشاف الماء عن الأرض ، فلذلك بدأ بالأرض فأمرها بالانقلاع ، ثم علم سبحانه أن الأرض إذا ابتلعت ما عليها ولم تنقطع مادة السماء تأذّى بذلك أهل السفينة عند خروجهم منها ، وربما ينزل من السماء أكثر مما تبتلع الأرض فأمرها بالاقلاع بعد أن أمر الأرض بالابتلاع ، ثم أخبر بعيض الماء عندما ذهب ما على الأرض ، وانقطعت مادة السماء ، وذلك يقتضي أن تكون ثالثة الجملتين المتقدمتين ، ثم قال تعالى - وقضي الامر - أي هلك من قدر هلاكه ونجى من قضيت نجاته وهذا كنه الآية وحقيقة المعجزة ، ولا بد أن تكون معلومة لأهل السفينة ، ولا يمكن علمهم بها إلّا بعد