تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١

فصل يشتمل على ذكر جمل عطف بعضها على بعض بالواو . والفاء . وثم . واختلاف معانيها

فمن ذلك قوله تعالى :
هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
عطف أولا بالواو ، لأن الاطعام والاسقاء ليس فيهما ترتيب واجب مع أن تأخير الإسقاء أولى ، ولذلك أخره في الذكر ، وعطف ثانيا بالفاء إذ لا مهلة بين المرض والشفاء وعطف بثم لما بين الإماتة والاحياء من المهلة ، ومع ذلك نسب الموت إلى اللّه لما في ذلك من إظهار القدرة والقهر ، ونسب المرض إلى نفسه ، لأن الأدب أن لا ينسب إلى اللّه تعالى الّا ما يحمد والموت ، وإن كان مذموما لكنه عند قاتل هذا محمود لأنه على يقين من السعادة الأخروية . ومن ذلك قوله تعالى :
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ
إنما عطف بالفاء مع أن بين مجيء المخاض والحمل مهلة ، لأن المهلة التي بين حملها ومخاضها كانت مدة يسيرة قيل كانت يوما ، وقيل كانت ثلاث ساعات ، وعليه أكثر المفسرين حتى يتميز حملها عن سائر النساء ، ويكون ذلك كرامة لها . فعلى هذا يكون المراد بالآية بيان ذلك . . وجميع أفعال المطاوعة إذا كانت على معانيها فإنما يعطف عليها بالفاء ، لا الواو ، وتقول دعوته : فأجاب وأعطيته فأخذ ولا يحسن أعطيته ، وأخذ ولا دعوته وأجاب قال اللّه تعالى حكاية عن إبليس :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 281 | ابن قيم الجوزية