تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
التأفيف أعم ، بل لأن المقصود من منع التأفيف هو الإكرام ، وعدم الإهانة ، والإهانة بالضرب أكثر من الإهانة بالتأفيف . الثاني كقوله تعالى :
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
ولم يقل طولها لأن العرض أنقص إذ كلما له عرض فله طول ولا ينعكس . ومما يتعلق بهذا انه إذا كان الشيء يشبه أشياء بعضها أتم في التشبيه ، أو أوفق من بعض فالأولى والأهم الاقتصار على ما هو أتم وأوفق ، فإن ذكر الكل فالأولى الابتداء بالأدنى ، والأضعف ليكون انتقال الذهن إلى الأعلى بتدريج ، ولأن التشبيه بالأعلى ألذّ ، والانتقال من لذّة إلى ما هو دونها غير ملذّ ولا مستحسن فلذلك قال الأشتر النخعي :
حمى الحديد عليهم فكأنه * لمعان برق أو شعاع شموس
وإذا كان للشيء صفة يغني ذكرها عن ذكر صفة أخرى ، أو يدل عليها كان الاقتصار عليها أولى من ذكرهما ، لأن ذكرهما كالتكرار وهو ممل ، وإذا ذكر فالأولى تقديم المدلول عليها وتأخير الدالة حتى لا تكون الآخرة قد تقدمت الدلالة عليها ، وقد يخل بذلك لمقصود آخر كما في قوله تعالى :
وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا
فإنه أخر نبيا لأجل السجع . وإذا كان ثبوت شيء أو نفيه يدل على ثبوت آخر أو نفيه ، كان الأولى الاقتصار على الدال على الآخر ، فإن ذكرا فالأولى تأخير الدال ، وقد يخل بذلك لمقصود كما في قوله تعالى :
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
وعلى قياس ما قلنا ينبغي أن يقتصر على صغيرة ، وإن ذكرت الكبيرة فلتذكر أولا . ومثله قوله تعالى :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما
وعلى ذلك القياس يكتفي بقوله - ولا تقل لهما أف - وان ذكرا فيقول - ولا تنهرهما ولا تقل لهما أفّ - . . وإذا تكررت الصفات فإن كان للمدح فالأولى الانتقال من الأدنى إلى الأعلى ليكون المديح مزيدا لتزايد الكلام ، وإن كان للذم فقد قالوا ينبغي الابتداء بالأشد ذما ، وهو مشكل .