تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣

القسم الخامس والخمسون النفي والإثبات

وهو أعلى ضرب من البلاغة كثير الفوائد عذب الموارد . وقد تكلم فيه أرباب علم الكلام ، وأرباب علم البيان ، وقالوا إن نفي الخاص يدل على ثبوت العام ، ولا يدل نفيه على نفيه . وقد بينا أن زيادة المفهوم في اللفظ توجب زيادة الالتذاذ به لحصول جملة من الملاذ دفعة واحدة ، ولذلك كان نفي العام أحسن من نفي الخاص وإثبات الخاص أحسن من اثبات العام . أما الأول فكقوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ
ولم يقل بضوئهم لأن النور أعمّ من الضوء إذ يطلق على الكثير والقليل ، وإنما يقال الضوء على القدر الكثير . ولذلك قال تعالى :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً
وهاهنا دقيقة وهو أنه قال - ذهب بنورهم - ولم يقل أذهب نورهم لأن الإذهاب بالشيء لا يمنع من عود ذلك الشيء بخلاف الذهاب إذ يفهم من ذلك استصحابه في الذهاب ، ومقتضى ذلك منعه من الرجوع . وكذلك قوله تعالى :
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ
معناه لا ضلالة واحدة بي ويلزم من ذلك أن لا يثبت له فرد من الضلال البتة ولا كذلك لو قال ليس بي ضلال ، لأن اسم الجنس يقال على الكثير والقليل فيجوز أن يكون المنفي هو الكثير . ومما يشبه ذلك قوله تعالى :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
فإن هذا يدل على النهي عن الضرب أيضا ، لا على أن