تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
المغزى ، وإنما يفعل ذلك طلبا للمبالغة لأن له تأثيرا شديدا في القلب ، وموقعا عظيما في النفس وفائدته أنه أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد في العدد فيكبر موقع ذلك عنده ، وهو شبيه بما ذكرنا من الإبهام ، ثم التفسير بعدهما يسوّي بينهما . . فمن ذلك قوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً
فإنه انما قال - ألف سنة إلا خمسين عاما - ولم يقل تسعمائة وخمسين عاما لفائدة حسنة وهي ذكر ما ابتلى به نوح عليه الصلاة والسلام من أمّته ، وما كابده من طول المقام ليكون ذلك تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتنبيها له ، فإن ذكر رأس العدد الذي هو منتهى العقود وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع قوّة صبره ، وما لاقاه من قومه . . ومن بديع التفسير بعد الابهام قوله تعالى :
إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى
ولو حذف - واحدة - كان الأمر كما ذكرنا وذهبت تلك الفخامة التي في الابهام وزال ما فيه من الغموض وانقطع شوق النفس إلى التفسير وفسر - الواحدة - بقوله أن تقوموا للّه مثنى وفرادى . . ومنه قوله تعالى :
وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى فَغَشَّاها ما غَشَّى
. ومنه قوله تعالى :
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
. ومنه
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ
. ومنه في الاستعمال قولهم فؤاد فيه ما فيه . . ومنه قول الشاعر في وصف الخمر :
فقد مضى ما مضى من عقل شاربها * وفي الزجاجة باق يطلب الباقي
- ومنه قول الآخر :
مضى ما مضى حتى علا الشيب رأسه * فلمّا علاه قال للباطل ابعد
- وقال آخر :
سأغسل عني العار بالسّيف جالبا * عليّ قضاء اللّه ما كان جالبا
فاعرف ذلك وقس عليه .
الفوايد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان — صفحة 270 | ابن قيم الجوزية