الثاني : انّ ثمة فرقاً بين ما دلّ على الجبر ، وبين ما دلّ على المعاد الجسماني ، فما يدل على الأوّل يخالف العقل الصريح ، ولفيف من الآيات ، كما يضاد الغاية من وراء بعث الأنبياء ، فلا محيص عن التأويل .
وأمّا المعاد الجسماني فليس هناك أيّ داع إلى التأويل ، سوى الشبهات التي نطرحها على طاولة البحث ، وسنحللها بفضل من اللَّه سبحانه حينها حتى تنجلي الحقيقة ناصعة لا يشوبها لبس ولا غموض .
الرابع : المعاد الجسماني ورأي بعض المتكلمين
ذهب لفيف من المتكلّمين إلى أنّ للإنسان أجزاءً أصلية صلبة لا يتطرق إليها الزيادة والنقصان ولا التغيّر والتبدّل ، وإنّما تطرأ إلى ما يضيف إليها . « 1 » وبعبارة أُخرى : المعاد عبارة عن جمع متفرقات أجزاء مادية لأعضاء أصلية باقية عندهم ، وتصويرها مرّة أُخرى بصورة مثل الصورة السابقة ليتعلّق النفس بها مرّة أُخرى .
يقول الإمام الرازي : إنّ قوله تعالى في سورة الواقعة من الآيات إشارة إلى جواب شبهة المنكرين الذين هم من أصحاب الشمال المجادلين ، فانّهم قالوا : « ءَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً ءَإِنّا لَمَبْعُوثُون * أَوَ آباؤُنا الأَوّلُون » « 2 » وأشير إلى إمكانها هذا بوجوه أربعة :
أوّلها ، قوله تعالى : « أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُون * ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُون » . « 3 »
هامش
( 1 ) . كشف المراد : 259 ، المسألة الرابعة في وجوب المعاد الجسماني .
( 2 ) . الصافات : 16 - 17 والواقعة : 47 - 48 .
( 3 ) . الواقعة : 58 - 59 .