أكثر من ذلك فيواصل زحفه إلى ما وراء مكّة على ثبات من أمره وقوّة وشكيمة .
فالمتصدّي لقيادة تلك الجيوش والتسلّط على ما تمكّن منه بالنحو المتقدّم لابدّ وأن يعد من الرعيل الأوّل من قوّاد الجيوش في العالم وأشدّهم حنكة وحكمة ، فكيف يتبادر إلى الأذهان أمثال تلك الأراجيف إذا كان حاله على ما شاهده الناس به من العظمة والبسالة والحكمة ؟
وتمكّن من خلال هذا الفتح من إزالة كل فرية وتهمة مشينة ألصقها كفّار قريش به أو يمكن أن توصف شخصيته بها في المستقبل ، ولذلك وردت الإشارة إلى ذلك بقوله : « لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ » .
وبذلك يندفع ما تمّ إيراده في السؤالين ، وفي ذلك غنى عن المزيد من الإطالة حيث تبيّن وجود الصلة بين الفتح ومغفرة الذنوب ، كما تبيّن عدم منافاة المغفرة مع العصمة ، فلاحظ .
وفي الختام نقول : إنّه سبحانه قد بشّر النبي الأكرم بالنصر والفتح قبل وقوع الأمر بإنزال سورة النصر . قال سبحانه : « إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِيْنِ اللَّهِ افْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً » ( النصر / 1 - 3 ) .
لمّا فتح رسول اللَّه مكّة قالت العرب : إنّما أظفر محمد بأهل الحرم وقدأجارهم اللَّه من أصحاب الفيل فليس لكم به طاقة ، فكان يدخلون في دين اللَّه أفواجاً واحداً واحداً ، اثنين اثنين وربّما تدخل القبيلة بأسرها في الإسلام « 1 » .
هامش
( 1 ) . مجمع البيان ، ج 5 ص 553 - 554 .