السَكِينَةَ فِى قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا ايْمَاناً مَعَ ايْمَانِهِم وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً » ( الفتح / 1 - 4 ) .
وفي الآيات سؤال يستحثّ الجواب عنه وهو أنّه سبحانه جعل فتح مكّة علّة لغفران ما تقدّم من ذنوب النبي وما تأخّر منها ، فيقال :
1 - ما هي المناسبة بين العلّة والمعلول فتح مكّة وغفران الذنوب ، مع أنّه يجب أن يكون بينهما مناسبة ذاتية أو اعتبارية ؟
2 - إنّ النبي الأكرم معصوم من اجتراح الذنوب فما المراد من هذا الذنب ؟
ويجاب عنه : بأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان متّهماً عند رجال قريش وحلفائها منذ سابق عهدهم به بالكهانة والسحر والجنون والألقاب المزرية المشينة الأخرى ، وقد سبق أن قلنا بأنّ هذه التهم كانت بمثابة الحرب النفسية لإظهار العداء المقيت بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وكان يصعب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجابهتها والقضاء عليها وكفّ ألسنة الناس عن التفوّه بها بأي نحو من أنحاء الإعلام المضادّ إلّا لمن عايشه عن قرب واختبره عن كثب .
ولكنّه صلى الله عليه وآله وسلم قد منحه اللَّه سبحانه ببركة هذا الفتح المبين حيث تمكّن بعد هدم حصون الشرك والوثنية وتطهير الكعبة من آلهة المشركين والاستيلاء على مراكز قوّتهم من الظهور بمظهر العظمة إلى أن تلاشت معه جميع قلاع الشرك وخضعت له الرقاب التي تنصب غروراً وكبرياءً في وجهه .
فأثبت بذلك أنّه منزّه عن الكهانة والسحر والجنون لأنّ المنتسب إلى أحد تلك الأصناف أعجز من أن يقوى على تدبير أمور نفسه الخاصّة . فكيف يقوم بقيادة جيش جرّار عرمرم يخترق الفيافي والصحارى والقفار على الرغم من كثرة العيون والجواسيس المترصّدة في أنحاء الطرق والمعابر ، ثمّ يباغت العدو في عقرداره وهو في غفلة من أمره فما يلبثوا إلّا يسيراً حتّى يسلّموا له وتذلّل له أعناق رؤسائهم ، ويبلغ به الأمر إلى
مفاهيم القرآن — صفحة 454
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٥٤