فقوله سبحانه « وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ » إشارة إلى أنّ كلّا من الفريقين يتلو في كتابه تصديق ما كفر به ، أيكفر اليهود بعيسى بن مريم وعندهم التوراة فيما أخذ اللَّه عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى ، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى عليه السلام من تصديق موسى عليه السلام وما جاء به من التوراة من عنداللَّه وكل يكفر بما في يد صاحبه .
وقوله سبحانه : « كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَايَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ » إشارة إلى أنّ مشركي العرب الذّين هم جهّال وليس لهم كتاب ، هكذا قالوا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه : إنّهم ليسوا على شيء من الدين مثل ما قالت اليهود والنصارى بعضهم لبعض « 1 » .
وربمّا بلغ تجاسرهم بساحة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فطلبوا منه أن يقتدي بإحدى الشريعتين ، قال ابن عباس : إنّ جماعة من اليهود ونصارى نجران ذمّوا أهل الإسلام ، كل فرقة تزعم أنّها أحق بدين اللَّه من غيرها ، فقالت اليهود : نبيّنا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب ، وقالت النصارى : نبيّنا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وكل فريق منهما قالوا للمؤمنين كونوا على ديننا ، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية ، وقيل انّ ابن صوريا قال لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : ما الهدى إلّا ما نحن عليه فاتّبعنا تهتدِ ، وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل اللَّه هذه الآية . « وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهَتَدُوا » .
فرّد اللَّه عليهم بقوله : « بَلْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفَاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشِركِينَ » ( البقرة / 135 ) .
8 - التشبّث بالكلمات المتشابهة :
كان اليهود لا يألون جهداً في إثارة القلاقل والفتن والاستهزاء بالنبيّ إلى حدّ
هامش
( 1 ) . السيرة النبوية : ج 1 ص 549 ، ومجمع البيان : ج 1 ص 359 .