تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
يصرّون على استعمال الكلمات المشتركة بين المعنى الحسن والمعنى القبيح . فعلى سبيل المثال عندما كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتحدّث ، كان المسلمون يطلبون منه التأنّي في التحدّث فيقولون « راعنا » بمعنى أمهلنا مشتق من مادّة « رعى » فحرّفت اليهود هذه اللفظة ، فقالوا يا محمد راعنا ، وهم يلحدون إلى الرعونة يريدون به النقيصة والوقيعة ومعناه « حمّقنا » ، ولأجل ذلك وافى الوحي وأمر أن يتركوا هذه الكلمة ويستعملوا مكانه « انظرنا » قال سبحانه : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُو لَاتَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ » ( البقرة / 104 ) . وقال العلّامة الطباطبائي في الآية نهي شديد عن قول « راعنا » وهذه الكلمة ذكرتها آية أخرى وبيّنت معناها في الجملة وهي قوله تعالى : « مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِالْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى الدِّينِ » ( النساء / 46 ) . ومنه يعلم أنّ اليهود كانوا يريدون بقولهم للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم راعنا نحواً من معنى قوله : « اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ » ولذلك ورد النهي عن خطاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وحينئذ ينطبق على ما نقل : إنّ المسلمين كانوا يخاطبون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك إذا ألقى إليهم كلاماً يقولون « رَاعِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ » يريدون أمهلنا وانظرنا حتّى نفهم ما تقول ، وكانت اللفظة تفيد في لغة اليهود معنى الشتم ، فاغتنم اليهود ذلك فكانوا يخاطبون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك يظهرون التأدّب معه وهم يريدون الشتم ، ومعناه عندهم اسمع لااسمعت ، فنزل : « مَنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا . . . » ونهى اللَّه المؤمنين عن الكلمة وأمرهم أن يقولوا ما في معناه وهو انظرنا ، فقال : « لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا » « 1 » .
هامش
( 1 ) . الميزان : ج 1 ص 248 .
مفاهيم القرآن — صفحة 262 | الشيخ جعفر السبحاني