صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش ، فقام على رؤوسهم ، ثمّ قرأ عليهم حتى فرغ من السورة فأيسوا عند ذلك ، فآذوه وآذوا أصحابه ، قال ابن عباس : وفيهم نزل قوله : « أَفَغَيْرُ اللَّه تَأْمُرُونِى أَعْبُدُ أَيُّها الجَاهِلُونَ » ( الزمر / 64 ) « 1 » .
وروى أبو حفص الصائغ عن جعفر بن محمد عليهما السلام قالوا : نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة ، فأنزل اللَّه عليه : « قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ . . . » « 2 » .
نظراً لابتعاد هؤلاء عن النبوّة والأنبياء يخالون أنّ برامج الأنبياء في رسالاتهم برامج بشرية يسوغ لهم المساومة فيها وإبداء التنازلات عنها ، ولأجل ذلك نزل الوحي رادّاً على تلك الفكرة الخاطئة وقال : « قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُم عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْدِينُكُمْ وَلِىَ دِينٌ » .
إنّ الدعوة إلى التوحيد في العبادة ورفض عبادة الغير هو الحجر الأساس الذي تهدف إليه الدعوة الإلهية المتمثّلة في رسالات الأنبياء ، ولم يبعث نبي قط إلّا وكان هذا هو المحور المهمّ في صلب دعوته ، فكيف يخوّل له التنازل عن هذا الأصل الأصيل . قال سبحانه : « وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ امَّةٍ رَسُولًا أَنْ اعْبُدُو اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ » ( النحل / 36 ) .
ويعرب أيضاً عن وجود مثل هذا الاقتراح قوله سبحانه : « وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا * إِذاً لَاذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لَاتَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً » ( الأسراء / 73 - 75 ) .
هذه الآيات تفصح عن شدة مكر المشركين وتماديهم في إنكار التوحيد حيث
هامش
( 1 ) . مجمع البيان : ج 5 ، ص 252 .
( 2 ) . السيرة النبويّة لابن هشام : ج 1 ص 362 ، بحار الأنوار : ج 7 ص 239 .