أوّلًا : إنّ النبي الأكرم كان مطّلعاً على أنّ قومه سوف يجابهونه بالعنف والشدّة ويتآمرون للقضاء عليه قبل تمكّنه من تحقيق أمنيته ، فصيانة الدعوة من مكائد الأعداء مرهونة بوجود قوّة داخلية تحصّنها من غوائلهم ولا يمكن تصوّرها إلّا في قومه وعشيرته من آل هاشم .
وثانياً : إنّ انقياد قومه لدعوته وعشيرته لدعوته لدليل واضح على قداسته ونزاهته وصدق كلامه وانّهم ما رأوا منه إلا الصدق والصلاح طيلة أربعين سنة فأجابوا دعوته وصدّقوا كلامه . فإنّ الإنسان مهما كان فطناً مهتمّاً بستر عيوبه وزلّاته لا يتمكّن من سترها عن بطانته وخاصّته ، فإيمان البطانة وقبولهم دعوته دليل واضح على صفاء سريرته ، فلأجل ذلك بدأ بدعوة العشيرة قبل إعلان الدعوة العامّة ، وهذا بطبيعة الحال يكون مؤثّراً في إعداد الأرضية الصالحة لقبول المرحلة الأخرى . وبعبارة ثانية : إنّ ضمان نجاح المصلحين في الدعوة العامّة يكمن في نجاحهم في دعوة اسرتهم ، فلوافترضنا أنّ الداعي لم ينجح في دعوة أسرته ، يكون حظّ نجاحه في الدعوة العامّة طفيفاً لأنّ رفض الأسرة لدعوة المصلح وعدم إيمانها به ، سوف يتّخذ ذريعة إلى تقوّل الآخرين وسخريتهم بأنّه لو كان الصادع محقّاً في كلامه فاسرته أولى بقبول دعوته .
وقد نقل المفسّرون وأهل السير في تفسير قوله سبحانه : « وأنذر عشيرتك الأقربين » كيفيّة دعوة الأسرة ، وإليك نصّ ما ذكره الطبري في تاريخه عن عليّ عليه السلام : لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللَّه فقال لي : يا علي ! إنّ اللَّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أنّي متى أبدأهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمّمت عليه حتى جاءني جبرئيل ، فقال : يا محمد إنّك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذّبك ربّك ، فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عِسّاً من لبن ثم إجمع لي بني عبد المطلب « 1 » ، حتى اكلّمهم وابلّغهم ما أمرت به ، ففعلت ما أمرني به ثمّ دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلًا ، يزيدون رجلًا أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعبّاس وأبو لهب ، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي
هامش
( 1 ) . وفي البداية والنهاية ج 3 ص 40 « بني هاشم » وهو الأصح .