إنّ هذا الكلام يعرب من أنّ نفسه صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن نفساً مستعدّة لتحمّل الوحي على حدّ همّ أن يقتل نفسه بالإلقاء من حالق ، وهل هذا هو إلّا نفس الجنون الذي كان المشركون يصفونه به طيلة بعثته ، فواعجباً نسمعه من أعوانه وأنصاره ومن لسان زوجته .
3 - إنّ قول خديجة لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : كلّا واللَّه ما يخزيك اللَّه أبداً ، تعرب من أنّها كانت أوثق إيماناً بنبوّته من نفس الرسول . فهل يمكن التفوّه بذلك ، وما حاجة النبي الأعظم الذي قال تعالى في حقّه : « وَعَلَّمَكَ مَالَمْتَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً » ( النساء / 113 ) إلى هذا التسلّي ؟
وهل يصحّ ويتعقّل للنبيّ أن يشكّ في رسالة نفسه حتى يستفتي زوجته فيزول شكّه بتصديقها ؟
4 - ذكر البخاري : إنّ خديجة انطلقت مع رسول اللَّه إلى ورقة ، فأخبره رسول اللَّه بما وقع ، فأجاب ورقة بما ذكره ، وإنّ ما نزل عليه هو الناموس الذي نزّله اللَّه على موسى .
ومعنى هذا أن يكون ورقة أعلم بالسرّ المودع في قلب رسول اللَّه من نفسه ، كما أنّ معنى ذلك إنّ كلًّا من الزوجين كانا شاكّين في صحّة الرسالة ، فانطلقا إلى متنصّر وقرأ وريقات من العهدين حتى يستفتياه ليزيل عنهما حجاب الشكّ وغشاوة الريب .
5 - إنّ معنى ما ذكره البخاري من أنّ ورقة أخبر النبي بأنّه : يسخرمنك قومك ، وتعجّب الرسول من هذا الكلام وقال : أو مخرجي هم ؟
كون المرسل إليه أعلم من الرسول وأفضل منه .
6 - إنّ ما ذكره ابن هشام من « إنّ الرسول كلّما رفع رأسه إلى السماء لينظر ما رأى إلّا رجلًا صافّاً قدميه في أفق السماء ، فلاينظر في ناحية من السماء إلّا رآه فيها » يشبه كلام المصابين في عقولهم وشعورهم ، والمختلّين في أفكارهم ، فلا يرون في
مفاهيم القرآن — صفحة 114
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١١٤