تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
وقال سبحانه : « وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِى إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاتَعْلَمُونَ » ( الأنبياء / 7 ) . وأهل الذكر في المجتمع اليهودي هم الأحبار ، والمجتمع المسيحي هم الرُهْبان . إلى غير ذلك من الآيات الواردة في القرآن الكريم التي تشير إلى أنَّه سبحانه هدى الإنسان ببعث الرسل ، وإنزال الكتب ، ودعوته إلى إطاعة أُولي الأمر والرجوع إلى أهل الذكر . قال سبحانه مصرّحاً بأنَّ النبي الأكرم ( صلى اللَّه عليه وآله ) هو الهادي لجميع أُمّته : « وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ( الشورى / 52 ) . وقال سبحانه في هداية القرآن إلى الطريق الأقوم : « إِنَّ هَذا القُرآنَ يَهْدِى لِلَّتِى هِى أَقْوَمُ » ( الأسراء / 9 ) . هذا ، وإنّ مقتضى الحِكْمَة الإلهية أن يعمّ هذا القسم من الهداية العامّة جميع البشر ، ولايختصّ بجيل دون جيل ولاطائفة دون طائفة . والهداية العامّة بكلا قسميها في مورد الإنسان ، ملاك الجبر والاختيار ، فلو عمّت هدايته التكوينية والتشريعية في خصوص الإنسان كل فرد منه لارتفع الجبر ، وساد الاختيار ، لأنَّ لكل إنسان أن يهتدي بعقله وما حَفَّهُ سبحانه به من عوامل الهداية من الأنبياء والرسل والمزامير والكتب وغير ذلك . ولو كانت الهداية المذكورة خاصّة بأُناس دون آخرين ، وأنَّه سبحانه هدى أُمّة ولم يهدِ أُخرى ، لكان لتوّهم الجبر مجال وهو وَهْم واهٍ ، كيف وقدقال سبحانه : « وَما كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا » ( الأسراء / 15 ) . وقال سبحانه : « وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ فِى أُمِّها رَسُولًا » ( القصص / 59 ) . وغير ذلك من الآيات التي تدلّ على أنَّ نزول العذاب كان بعد بعث الرسول وشمول الهداية العامّة للمُعَذّبين والهالكين ، وبالتالي يدلّ على أنَّ من لم تبلغه تلك الهداية لا يكون مسؤولًا إلَّا بمقدار ما يدلّ عليه عقله ويرشده إليه لبّه .
مفاهيم القرآن — صفحة 503 | الشيخ جعفر السبحاني