مِنْهُمْ فَاغْرَقْنَا هُمْ اجْمَعِينَ » ( الزخرف / 55 ) . فرتّب الانتقام على الأسف معرباً عن وجود صلة بينه وبين الانتقام .
ويدل على القيد الثاني قوله سبحانه : « وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ » ( المائدة / 95 ) . حيث سمّى اللَّه تعالى تكرار إيجاب الكفّارة ( إذا عاد المحرم إلى الصيد ثانياً ) ، انتقاماً .
وعلى كلّ تقدير فالانتقام في مقابل المعاجلة بالعقوبة ، والأوّل أشدّ من الثاني لأنّ المذنب إذا عوجل بالعقوبة لم يتمكن في المعصية فلم يستوجب غاية النكال بخلاف ما إذا أمهل فيتمكن في التجرّي والتمرّد فيستحقّ الأخذ بالعقاب الأشد .
وأمّا حظ العبد من هذا الوصف فله أن يقع مظهراً لهذا الاسم عند الانتقام من الأعداء فأعدى عدوّه هي النفس التي بين جنبيه ، وأمّا العدوّ الخارجي فيتبع قوله سبحانه : « اشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ » ( الفتح / 29 ) .
وللعلّامة الطباطبائي ( ره ) كلام حول نسبة الانتقام إليه تعالى قال : « الانتقام هو العقوبة لكن لاكل عقوبة بل عقوبة خاصّة وهي أن تذيق غيرك من الشرّ ما يعادل ما أذاقك منه أو تزيد عليه .
قال تعالى : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ » ( البقرة / 194 ) . وهو أصل حيوي معمول به ، وربّما يشاهد من بعض الحيوانات أيضاً أعمال تشبه أن تكون منها . وعلى أيحال كان يختلف الغرض الذي يبعث الإنسان إليه ، فالداعي إليه في الانتقام الفردي هو التشفّي غالباً ، فإذا سلب الواحد من الإنسان غيره شيئاً من الخير ، أو أذاقه شيئاً من الشر ، وجد الإنسان في نفسه من الأسى والأسف ما لا تخمد ناره ، إلّا بأن يذيقه من الشر ما يعادل ما ذاق منه أو يزيد عليه ، فالعامل الذي يدعو إليه هو الإحساس الباطني ، وأمّا العقل فربّما أجازه وربّما استنكف .
وأمّا الانتقام الاجتماعي ونعني به القصاصات وأنواع المؤاخذات التي نعثر
مفاهيم القرآن — صفحة 245
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٢٤٥