الرابع والأربعون : « خير الماكرين »
وقد ورد هذا اللفظ في القرآن مرّتين ووقع وصفاً له سبحانه في كلا الموردين .
قال تعالى : « فَلَمَّا احَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الكُفْرَ قَالَ مَنْ انْصارِى إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ انْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِانَّا مُسْلِمُونَ . . . وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ » ( آلعمران / 52 و 54 ) .
وقال تعالى : « وَاذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ اوْ يَقْتُلُوكَ اوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ » ( الأنفال / 30 ) .
وقد اتّفق المفسّرون على أنّ المراد من مكره سبحانه هو المجازاة على مكرهم وقدسمّى المجازاة على المكر مكراً في غير هذا المورد أيضاً .
قال سبحانه : « وَإذا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ قالُوا انَّا مَعَكُمْ انَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ » ( البقرة / 14 و 15 ) .
ومن المعلوم امتناع الاستهزاء على أنبيائه سبحانه فضلًا عن اللَّه لأنّها من فعل الجهلة ، واللَّه الحكيم وأنبياؤه هم الحكماء ، قال سبحانه حاكياً عن بني إسرائيل :
« قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ انْ اكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ » ( البقرة / 67 ) .
واللَّه سبحانه وصف نفسه به عند ابطال مكر الناس على رسله وأنبيائه ففي الآية الأولى يذكر همّ بني إسرائيل بالمسيح حيث أرادوا قتله ، فأبطل سبحانه مكرهم برفع عيسى إليه وقتلوا مكانه يهوذا وهو الذي دلّهم على المسيح .
روا أهل السير والتاريخ إنّ المسيح جمع الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثمّ قال : ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة ، فخرجوا وتفرقوا ، وجاءت اليهود إليه فقال ما تجعلون لي أن أدلّكم عليه ، فجعلوا له ثلاثين