أزمّة الأمور أو ما يقرب من هذين . ولو جعلنا الإله بمعنى المعبود لانتقض البرهان ، لبداهة تعدد المعبودين في هذا العالم ، مع عدم الفساد في النظام الكوني ، وقدكانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحم بالآلهة ، ومركزها مع كون العالم منتظماً غير فاسد .
وعندئذ يجب على من يجعل « الاله » بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ « بالحق » أيلو كان فيهما معبودات - بالحق لفسدتا ولما كان المعبود بالحق مدبّراً ومتصرفاً لزم من تعدّده فساد النظام ، وهذا كلّه تكلّف لا مبرر له .
2 - « ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ الهٍ اذاً لَذَهَبَ كُلُّ الهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ » ( المؤمنون / 91 ) .
ويتم هذا البرهان أيضاً لو فسّرنا الإله بما ذكرنا من انّه كلّيّ ما يُطلق عليه لفظ الجلالة . وإن شئت قلت : إنّه كناية عن الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من يقوم بأفعاله وشؤونه ، والمناسب في هذا المقام هو الخالق ، ويلزم من تعدّده ما رتب عليه في الآية من ذهاب كلّ إله بما خلق واعتلاء بعضهم على بعض .
ولو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان ، ولا يلزم من تعدّده أياختلال في الكون . وأدل دليل على ذلك هو المشاهدة . فإنّ في العالم آلهة متعدّدة ، وقدكان في أطراف الكعبة المشرفة ثلاثمائة وستون إلهاً ولم يقع أيفساد واختلال في الكون .
فيلزم على من يفسّر « إله » بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدمة .
3 - « قُلْ لَو كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ اذاً لَابْتَغَوا إلى ذِى العَرْشِ سَبِيلًا » ( الاسراء / 42 ) فانّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمّة أمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الالوهيّة ، وأمّا تعدد المعبود فلا يلازم ذلك إلّا بالتكليف الذي أشرنا إليه فيما سبق .
مفاهيم القرآن — صفحة 115
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١١٥