تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
أمّا أوّلًا : فلأنّ الآية لمّا أخبرت عن إتمام الخليل ( « 1 » ) الكلمات الّتي ابتلي بها ، صار المقام أن يسأل عن ماذا قال ربّه حين أتمّ الكلمات ، اوفعل به عنده ؟ فأُجيب بقوله : ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) ( « 2 » ) ، فعدم الإتيان بالفاء ، لأجل كونه جواباً عن سؤال مقدّر يرد على الذهن عند الوقوف على قوله : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ ) ( « 3 » ) ، وعلى ذلك فتكون الجملة استئنافية . وأمّا جعله بياناً لقوله : ( وَإِذِ ابْتَلَى ) وتفسير له ، فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ؛ فقد عرفت بطلانه ، لأنّ ملاك الإمامة على هذا الفرض هي من الرسالة ، وقد كان الخليل رسولًا قبل نزول الآية بكثير . وثانياً : ما ذكره من أنّ الإمامة في الآية عبارة عن الرسالة وهي لا تنال بكسب الكاسب وإن كان صحيحاً ( « 4 » ) إلّا أنّ الإفاضات على حسب اللياقات ، والعطايا الإلهية على حد الصلاحيات ، والمناصب المعنوية قيد مؤهلات وشروط ، بين ما هي خارجة عن حدود الاختيار غير قابلة للاكتساب ، وما هي داخلة فيها وقابلة له ، فالرسالة لا تفاض على الإنسان ارتجالًا بلا سبق مؤهلات وقابليات ذاتية أو مكتسبة ، وليست المناصب الإلهية غرضاً لكل هادف أو رمية لكل نابل ، وانّما يصل إليها الأمثل فالأمثل . نعم ، الله سبحانه : ( أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) ، لكنّه لا يجعل رسالته إلّا في النفوس والأرواح الكاملة ، ذات الأرضيات الصالحة الذين يضرب بهم المثل في مجال الفضل والفضيلة ، ويشار إليهم بالبنان
هامش
( 1 ) . البقرة : 134 . ( 2 ) . البقرة : 134 . ( 3 ) . من غير فرق بين كون الضمير في اتمّهنّ راجعاً إلى الخليل أو إلى الله سبحانه ، لما عرفت عند البحث عن « إتمام الكلمات » من أنّ الإتمام من جانب إبراهيم عبارة عن قيامه بها ، ومن جانبه سبحانه توفيقه لما أمر به وطلب منه ، فهنا فعل واحد ينسب إلى المباشر والسبب معاً ، فلو رجع إلى إبراهيم لصح ، لكونه الفاعل المباشر ، ولو رجع إلى الله لصح أيضاً لكونه السبب الموفق . ( 4 ) . لكنه صحيح ، لأنّ تفسير الإمامة بالرسالة غير صحيح كما شرحناه .