بقوله : ( وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ) ( « 1 » ) .
فالآية تكلّف النبي أن لا يدافع عن الخائن ، ومن الواضح أنّ النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - لم يكن في زمن حياته مدافعاً عن الخائن ، وانّما هو خطاب عام أُريد منه تربية المجتمع وتوجيهه إلى هذه الوظيفة الخطيرة ، وبما أنّ أكثر الناس لا يتحمّلون الخطاب الحاد ، بل يكون مرّاً في أذواق أكثرهم ، اقتضت الحكمة أن يكون المخاطب ، غير من قصد له الخطاب .
7 . وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه : ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلا تَكُن لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ) ( « 2 » ) .
وأخيراً نقول : إنّ سورة الإسراء تحتوي على دساتير رفيعة المستوى ، ترجع إلى وظائف الأُمّة : الفردية والاجتماعية ، وهو سبحانه يبتدئ الدساتير بقوله : ( لا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولا ) ( « 3 » ) ، وفي الوقت نفسه يختمها بنفس تلك الآية باختلاف يسير فيقول : ( ولا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ) . ( « 4 » )
فهذه الخطابات وأشباهها وإن كانت موجهة إلى النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - لكن قصد بها عامة الناس لنكتة سبق ذكرها ، وإلّا فالنبي الأعظم - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - أعظم من أن يشرك باللّه تعالى بعد تشرّفه بالنبوّة ، كيف ، وهو الذي كافح الوثنية منذ نعومة أظفاره إلى أن بعث نبيّاً لهدم الشرك وعبادة غير اللّه تبارك وتعالى .
هامش
( 1 ) . النساء : 107 .
( 2 ) . النساء : 105 .
( 3 ) . الإسراء : 22 .
( 4 ) . الإسراء : 39 .