من الكاذب في ادّعائه ، كما يعرب عنه قوله : ( حتى يتبيّن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) .
توضيحه : أنّ المنافقين كانوا مصمّمين على عدم الخروج مع المؤمنين إلى غزو الروم ، وكان لهم تخطيط في غياب النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - أبطله النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - بتخليفه علياً مكانه ، قال سبحانه : ( وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ) ( « 1 » ) ، والآية تدلُّ على أنّهم كانوا عازمين على الإقامة في المدينة ، وكان الاستئذان نوع تغطية لقبح عملهم حتى يتظاهروا بأنّ عدم ظعنهم مع المؤمنين كان بإذن من النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - .
ومن جانب آخر أنّهم لو خرجوا مع المسلمين ما زادوهم إلّا فتنة وخبالًا وإضعافاً لعزائم المؤمنين ، وفيهم سمّ - اعون لهم يتأثرون بدعاياتهم وإغوائهم كما يقول سبحانه : ( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) ( « 2 » ) .
وبما أنّهم كانوا عازمين على القعود أوّلًا ، وعلى الإضرار والفتنة في جبهات الحرب ثانياً ، لذلك لم يكن في الإذن أيّة تبعة سوى فوت تميّز الخبيث من الطيب ، ومعرفة المنافق من المؤمن ، إذ لو لم يأذن لهم لظهر فسقهم وتمردهم على كلام النبي - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم - ، ومثل هذا لا يعد عمل خلاف حتى يكون الاعتراض عليه دليلًا على صدور الذنب .
ولو كانت المخطّئة عارفة بأساليب البلاغة وفنون الكلام لعرفت أنّ أسلوب
هامش
( 1 ) . التوبة : 46 .
( 2 ) . التوبة : 47 .