تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وإن شئت قلت : إنّ الرسالة الإلهية لما كانت ملازمة مع المتاعب والمشاق ، وكان في مثل هذا الموقف أرضية أن يترك المخاطب بعض ما أُمر به ، صح للمتكلم أن يخاطبه بتلك العبارة مستلهماً ذلك من طبيعة العمل وصعوبته ، وما يكتنفه من المتاعب . وفي الحقيقة ليس الموجب لهذا الخطاب إلّا ملاحظة طبيعة العمل ذاته ، لا المخاطب بما يتمتع به من الخصوصيات والمؤهلات . وهذه القاعدة جارية في كل ما يخاطب به اللَّه نبيه بما لا يناسبه وعصمته وعلو همته ، وهذا واضح لمن عرف القرآن وامتزج به روحه وعقله ، وإليك نموذجاً من ذلك . أنا نرى أنّه سبحانه يخاطب نبيه بلحن يلازم احتمال الشك والترديد في ذهن النبي بالنسبة إلى رسالته ويقول : « فَإِنْ كُنْتَ في شَكٍ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرينَ * وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرينَ » . « 1 » نرى أنّه سبحانه يخاطب نبيه بجمل تشعر بوجود الشك والريب في نفس النبي بالنسبة إلى رسالته ، ولكن هذا الاحتمال سرعان ما يزول إذا علمنا أنّ الخطاب من هذا النوع يكون مع قطع النظر عن الخصوصيات الموجودة في المخاطب ( بالفتح ) من العلم القاطع بنبوته ورسالته ، والعصمة عن أيّ شك أو تكذيب . أضف إلى ذلك أنّ الخطابات القرآنية تجري مجرى « إيّاك أعني واسمعي يا جارة » الذي يجري عليه فصحاء العرب وبلغاؤهم ، بل هو أصل رصين في المسائل التربوية حيث إنّ المربي الحكيم إنّما يتحاشى توجيه النقد إلى الغرباء مباشرة بل
هامش
( 1 ) يونس : 94 - 95 .
مفاهيم القرآن — صفحة 151 | الشيخ جعفر السبحاني