وهذه الآيات ونظائرها تفيد أنّ مشيئته سبحانه لم تتعلّق بهداية الناس أجمعين ، ولو تعلّقت لآمن كلّهم ، ولكن المشيئة المنفية في أمر الهداية هي المشيئة التكوينية التي لا تنفك عن المراد ، وتوجب إيمان الناس من غير اختيار .
غير أنّه لما كان هذا الإيمان والإذعان لا قيمة له في عالم المعرفة لم تتعلّق مشيئته تعالى بهذا النحو من الهداية الجبرية ، بل ترك الناس أحراراً قال سبحانه : « إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبيلًا » . « 1 » وقال سبحانه : « إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ » . « 2 » فقد خرجنا إلى هنا بهذه النتائج :
1 . انّ المعجزة المنتفية هي المعجزة الملجئة لا المعجزة على الإطلاق .
2 . انّ مشيئته التشريعية قد تعلّقت بهداية الناس جميعاً ، ولأجل ذلك بعث الأنبياء وجهّزهم بالدلائل والبراهين الكافية .
3 . لم تتعلّق مشيئته التكوينية بهدايتهم ، لأنّ الإيمان عقيب هذه الإرادة إيمان قسري لا قيمة له .
نعم إنّ هاهنا سؤالًا صحيحاً ربّما يختلج في بعض الأذهان ، وهو أنّ الآيات الواردة حول اختيار الإنسان وإرادته تصرح بأنّ مشيئة الإنسان متوقفة على مشيئته سبحانه فليس لبشرٍ أن يختار أمراً أو يتبع سبباً خارجاً عن إطار إرادته سبحانه ومشيئته ، فالموجود الممكن بما أنّه ممكن ليس له أن يفعل أو يترك شيئاً خارجاً عن
هامش
( 1 ) الإنسان : 29 .
( 2 ) التكوير : 27 - 28 .