ولذلك نرى في مورد يتمنّى النبي ( أو يشعر كلامه بذلك التمنّي ) أن يأتي بآية ملجئة لهم إلى الإيمان وملزمة لهم على الاذعان أجابه سبحانه : « وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقَاً في الأرضِ أَوْ سُلَّماً في السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ » . « 1 »
وسوف يوافيك شرح الآية وهدفها .
التاسعة : انّ القيام بالطلب إنّما يصح إذا لم يكن المطلوب على خلاف السنّة الإلهية الحكيمة الجارية في الكون ، وعلى ذلك فلو طلب القوم أن يأتي لهم النبي بجنة وينبوع حتى يريحهم من الكد والكدح فلا يستحق هذا الطلب الإجابة ، لأنّ سنته تعالى جرت على إرزاق الناس من طريق العمل والكسب ، وسيوافيك توضيح ذلك عند البحث عن قوله : « وَقَالُوا لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرضِ يَنبُوعاً . . . » . « 2 » العاشرة : إنّما يصح القيام إذا كان بين المطلوب والمقترح والرسالة الإلهية رابطة منطقية حتى يستدل بالأوّل على الآخر ، وعلى ذلك فلو طلبوا من النبي أن يكون ذا ثروة طائلة فلا يصح للنبي الإجابة ، لأنّ ثروة الرجل ليست دليلًا على صحة منطقه ، وسيوافيك شرح ذلك عند البحث عن قوله سبحانه : « أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ الأَنْهارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً » . « 3 » فلو أنّ النبي امتنع عن القيام ببعض المعاجز فإنّما هو لأجل هذا الأصل ، وأنت إذا لاحظت هذه الأُمور تبيّن لك أنّ الآيات التي رفض فيها النبي القيام بمقترحات القوم ومطلوباتهم من المعاجز فإنّما هو لأجل فقدان إحدى هذه
هامش
( 1 ) الأنعام : 35 .
( 2 ) الإسراء : 90 .
( 3 ) الإسراء : 91 .