تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
على التلاوة عن ظهر القلب ، ويؤيده أنّه لم يرو عن النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - في أيام رسالته أنّه تلا القرآن عن غير ظهر قلبه ، أضف إلى ذلك ما ذكره المفسرون في « صحف مطهرة » من الاحتمالات التي تخرجها عن محيط هذه الصحف المادية التي يرومها المستدل ومن شاء الإحاطة بها فليرجع إلى التفاسير . ونظير ذلك قوله سبحانه : « سَنُقْرِئُكَ فَلاتَنْسَى * إِلّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَمَا يَخْفَى » ( الأعلى : 7 - 8 ) إذ معناه : سنقرأ عليك القرآن فلا تنساه ونجعلك قارئاً باذن منه فلا تنسى ما تتلقاه من أمين الوحي ، إلّا بمشيئة منه فإنّ الاقراء والانساء كليهما بيده سبحانه ، فلا يدل إلّا على تلاوة القرآن وقراءته عن ظهر القلب فقط كما كان هو دأب النبي في تلاوة كل ما أوحي إليه ، وهو غير ما يرومه الدكتور وأمثاله . قال الزمخشري : بشّر اللَّه تعالى باعطاء آية بيّنة وهي أن يقرأ عليه جبرئيل ما يقرأ عليه من الوحي وهو امّي لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه . وأمّا الاستثناء فلا يدل على تحقق الانساء منه سبحانه بالنسبة إلى الرسول - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بل هو للتنبيه على أنّ الأمر كله بيده ، وإن منحت كرامة الحفظ إليه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - فليس بمعنى تفويض الأمر إليه وخروجه عن يد اللَّه سبحانه ، بل الأمر في كلا الحالين بيده ، فاللَّه الذي جعله قارئاً لا ينسى ، قادر على أن يصيره ناسياً لا يحفظ شيئاً ، ولا يخطر على روعه شيء ، فوزان الاستثناء في هذه الآية وزان الاستثناء في قوله سبحانه : « وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمواتُ وَالأرْضُ إلّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ » ( هود 108 ) . فلا يدل على تحقق المشيئة في المستقبل منه سبحانه حتى ينافي خلود المؤمنين في الجنة .

4 - الاستدلال بقوله سبحانه :

« اكتتبها » استدل بعض الأعلام بقوله سبحانه : « وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » ( الفرقان - 5 ) وفسّره في الكشّاف بقوله : اكتتبها : اكتتبها لنفسه
مفاهيم القرآن — صفحة 324 | الشيخ جعفر السبحاني