تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
« إنّ الآية لا تدل على أنّ النبي كان امياً بل فيها أنّه لم يكن يكتب الكتاب وقد لا يكتب الكتاب من يحسنه كما لا يكتب من لا يحسنه . . . » . « ولو دلّت الآية على أنّه لم يكن يحسن الكتابة قبل الايحاء إليه ، لدلّت بالمفهوم على أنّه كان يحسنها بعد الايحاء إليه ، حتى يكون فرقاً بين الحالتين ولا يكون الاتيان بالقيد - قبله - لغواً » « 1 » .

وفي ما أفاده مواقع للنظر :

أوّلًا : ففرق واضح بين من يحسن الكتابة ويتركها ، ومن لا يحسنها أصلًا ، فانّ من يحسن الكتابة ، لا يتركها دائماً ، بل يتركها مؤقتاً بسبب ظروف تلم به ولا يصح الاستدلال بتركه مؤقتاً ، على أنّه لا يحسنها ولا يستكشف حاله منه ، وأمّا من لم يكتب منذ نعومة أظفاره إلى أن بلغ الأربعين بل ناهز الخمسين كما هو الحال بالنسبة إلى نبيّنا - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - ، فيعد ذلك دليلًا عند العرف على أنّه لا يحسنها أصلًا وبتاتاً . فالآية حسب ما يفهم منها عرفاً ، تدل على أنّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - كان امياً لا يقدر على الكتابة ، وقوله سبحانه : « ما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون » بالنظر إلى ذيله وهو رفع الشك عن قلوب المبطلين ، كناية عن كونه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - كان امّياً لا يحسن شيئاً من القراءة ، لا أنّه كان عارفاً بها ولكنّه تركها لمصلحة أو غيرها . وثانياً : إنّ استفادة المفهوم من الآية ودلالة القيد - من قبله - عليه مشكلة جداً وإن قلنا بدلالته على المفهوم في مقام آخر ، وذلك أنّ دلالة القيد عليه إنّما هي إذا كان بقاء الحكم وعدمه عند ارتفاع القيد سواسية ، فعند ذلك يستدل بأخذ القيد في موضوع الحكم على دخله في الغرض وفي الحكم المذكور في القضية ويكون مرجعه إلى ارتفاع الحكم السابق بارتفاع القيد كما إذا قيل : أكل زيد قبل طلوع الشمس ، وأمّا إذا كان بقاء
هامش
( 1 ) - التبيان ج 8 ص 216 ط لبنان ويظهر من الآلوسي في تفسيره الاعتماد على هذا الوجه .
مفاهيم القرآن — صفحة 321 | الشيخ جعفر السبحاني