تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
والأخت ، لاشتراك الجميع معهما في المناط والملاك - وهو كونها مركبة تركيب إضافة وحصول الالتباس لو ألحقت بصدرها . وثالثاً : إنّ اللَّه وصف نبيّه في الآية بصفات تناسب موضوع النبوّة ، فلو كان الامّي فيها بالمعنى الذي أوضحناه ، لتلاءم الكلام ، وتكون تلك الصفة هادفة إلى آية نبوّته وبرهان رسالته ، لأنّه مع كونه امّياً لا يقرأ ولا يكتب ، أتى بشريعة كافلة لسعادة الناس وسيادتهم وجاء بكتاب فيه هدى ونور ، وتضمن من الحقائق والمعارف ما لا يقف عليه حتى الأوحدي من الناس فضلًا عمّن لم يقرأ ولم يكتب ، وهذا برهان رسالته ودليل صلته باللَّه وكونه مبعوثاً ومؤيداً منه تعالى . ولو كان المراد منه ما زعمه القائل من كونه مكياً وأنّه وليد ذلك البلد ، لكان الاتيان به في ثنايا تلك الأوصاف والخصال اقحاماً بلا وجه واقتضاباً بلا جهة . وإن شئت قلت : لو كان المراد من الأمي ما ذكرناه لكان فيه إشارة إلى أنّ النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - مع كونه باقياً على الحالة التي ولد عليها ، قد أتى بكتاب عجز الناس عن تحدّيه ، وكلّ البلغاء عن معارضته ، وخرس الفصحاء لديه ، مضافاً إلى ما فيه من المعارف الإلهية والحقائق العلمية والدساتير والقوانين الاجتماعية والاقتصادية في شؤون الحياة الانسانية ومسائلها المعقدة ، وهذا دليل على صدق دعوته ، وأنّه مبعوث من عنده تعالى ، وهذه النكتة تفوتنا إذا فسرناه بأنّه مكي ووليد الحرم والبلد الأمين إذ ليس في كونه مكياً أيامتياز حتى ينوّه به . وإلى ما ذكرنا يشير قوله عزّ وجلّ : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الامِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » ( الجمعة - 2 ) . فإنّ توصيف النبي - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بأنّه منهم ( أي من الامّيين ) للإشارة إلى أنّه مع كونه امّياً مثلهم يعلّمهم الكتاب والحكمة ، وما ذلك إلّا لكونه مؤيداً منه تعالى بروح تعاضده وموجهاً بتوجيهه لارتقاء تلكم المدارج ، فالآية من قبيل اتيان الشيء ببيّنته وبرهانه .