يصير هناك حيران لا يعرف مقصداً ، ولا يطلب هدفاً ، أو يرجع إلى مكانه الأوّل .
إنّ الذاهبين إلى تلخيص الحياة في الهدف الماديّ مثلهم كمثل هذا الربّان لايهدفُ من رحلته مقصداً ولا يقصد منها غاية وهل أمر ذلك إلّا في خسار .
أجل ، هذا هو كلّ ما يقصده ويسعى إليه النظامان الاقتصاديّان الرأسماليّة والاشتراكيّة : زيادة في الإنتاج ، وتخطيط للتوزيع ، وتطوير في وسائل الإنتاج ، ولا شيء وراء ذلك ، ولكنّ الإسلام يعالج هذه المسألة معالجة منطقيّة واقعيّة فهو يعتبر الدنيا مقدّمة للآخرة ومزرعة لها ، وأنّ على الإنسان أن لا يحصر اهتمامه في هذه الحياة العابرة ، بل يسعى للآخرة دون أن ينسى نصيبه من الدنيا ، كما قال اللَّه تعالى : « وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ المُفسِدِيْنَ » ( القصص : 77 ) .
ولابد هنا من الإشارة إلى المواضيع التي تضمّنتها هذه الآية :
إنّ قوله تعالى : « وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ » يشير إلى أنّ طلب الدنيا يجب أن يكون لأجل الآخرة فتكون الآخرة هي المقصد والغاية ، وحيث أمكن أن يتوهّم من هذا الكلام أنّ الإسلام يدعو إلى الرهبنة وترك الدنيا ، استدرك اللَّه سبحانه ذلك بقوله : « وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا » فأفاد بذلك أنّه لا رهبانيّة في الإسلام .
فعلى المسلم أن يقصد الآخرة ويهدفها ولكن دون أن ينسى نصيبه من الدنيا إذ لا معاد لمن لا معاش له .
وأمّا قوله سبحانه : « وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ » فهو إشارة إلى أنّ على الإنسان أن يعلم بأنّ ما وصل إليه إنّما هو بإحسان اللَّه إليه ، فعليه أن يقابل ذلك الإحسان بأداء ما افترض اللَّه عليه من حقوق والقيام بما ندبه إليه من واجبات اجتماعيّة .
وقوله سبحانه : « وَلَا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأرْضِ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المفْسِدِينَ » إشارة إلى كيفيّة الإنفاق والمصرف ، فعلى المسلم أن لا ينفق في باطل ، ولايسرف ولايبذّر ولايعبث ولايصرف مال اللَّه في لهو أو فساد .
مفاهيم القرآن — صفحة 493
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٩٣