إنّ سياسة الإسلام العامّة اتّجاه الأقليّات الدينيّة تفهم من هاتين الآيتين جيّداً فالأقليّات الدينيّة - حسب هاتين الآيتين - محترمون في البلاد الإسلاميّة وعلى المسلمون أن يعايشونهم ويعترفوا لهم بحقوقهم في الحياة الآمنة ما لم يتجاوز أبناؤها وأعضاؤها على حقوق الأكثريّة المسلمة ، ولم تتآمر ضدّ الإسلام ، فإذا تآمرت ، وتحالفت مع أعداء الإسلام ومعارضيه وخصومه ، ارتفعت عنهم هذه الحصانة الإسلاميّة وجاز للمسلمين أن يقفوا ضدهم . . . ولا يوادّوهم .
ولقد بلغت هذه الحريّة والاحترام إلى درجة لو فعل أهل الذمّة ما هو سائغ في شرعهم وليس بسائغ في الإسلام كشرب الخمر لم يتعرّض لهم ما لم يتجاهروا به ، نعم إن تجاهروا به عمل بهم ما تقتضيه الجناية بموجب الشرع .
وإن فعلوا ما ليس بسائغ في شرعهم « 1 » كالزنا واللواط ، فالحكم فيه أيضاً كما في المسلم . وإن شاء الحاكم رفعه إلى أهل نحلته ليقيموا الحدّ فيه ، بمقتضى شرعهم كما لو تحاكم إلينا ذميّان كان الحاكم مخيّراً بين الحكم عليهما بحكم الإسلام وبين الإعراض عنهم لقوله سبحانه : « فإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ » ( المائدة : 42 ) .
2 - حسن المعاشرة مع الأقلّيات
إنّ الإسلام يحث المسلمين على الإحسان إلى أهل الكتاب ، وأخذهم بحسن المعاشرة واحترام عقائدهم وإبقائهم على دينهم إذا هم اختاروا ذلك ، قال اللَّه تعالى : « وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابَ إلّا بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إليْنَا وَأُنْزِلَ إلَيْكُمْ » ( العنكبوت :
46 ) .
وقال الرسول الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من ظلم مُعاهداً وكلّفهُ فوق طاقته فأنا حجيجهُ يوم القيامة » « 2 » .
هامش
( 1 ) - لاحظ في ذلك جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام 21 : 31 .
( 2 ) - فتوح البلدان للبلاذريّ : 167 ( طبعة مصر ) .