تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاهيم القرآن — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
لأنّ ذلك يعني تخلّي أهل الكتاب عن حرّيتهم الطبيعيّة ، وإعطاء مصيرهم في التحليل والتحريم والتشريع والتقنين إلى بشر أمثالهم وهو أمر مرفوض في منطق الدين ، الذي يرى بأنّ اللَّه خلق الناس أحراراً ، وأراد لهم أن يعيشوا كذلك ولا تكون لأحد على أحد سلطة التشريع إلّا للَّه سبحانه . وقد دعا الإسلام أهل الكتاب إلى نبذ هذه الأرباب والأسياد البشريّة وتحرير الإنسان من كلّ قيد ظالم فقال : « قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَواْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلّا نَعْبُدَ إلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئَاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » ( آلعمران : 64 ) . ولقد دفع الإسلام اتباعه إلى الدفاع عن حريّتهم ، وزرع فيهم روح العزّة والإباء والاعتلاء إذ قال : « وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ » ( المنافقون : 8 ) . وقال سبحانه : « وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِيْنَ » ( آلعمران : 139 ) . ورفض أن يذلّ المؤمنون أنفسهم ويتخلّوا عن حريّتهم وعزّتهم فقال عليّ - عليه السلام - : « إنّ اللَّه تبارك وتعالى فوّض إلى المُؤمن كُلّ شيء إلّا إذلال نفسه » « 1 » . وقال الإمام الحسين بن عليّ - عليه السلام - في الرد على من أرادوا له الخضوع ليزيد : « لا اعطينّكُم بيدي إعطاء الذّليل ولا اقّرُ لكُم إقرار العبيد » « 2 » . بل وليس الإيمان باللَّه ورفض الشركاء والأنداد الذي دعا إليه الدين إلّا الخروج من عبوديّة العباد إلى جوّ الحريّة الكريمة اللائقة بالإنسان المتوفّرة في العبوديّة للَّه وحده . فجملة لا إله إلّا اللَّه من أعظم الشعارات التي نادى بها الإسلام لتحرير الإنسان وإخراجه من أيّة عبوديّة وخضوع لأحد إلّا للَّه سبحانه .
هامش
( 1 ) - وسائل الشيعة 6 : 424 . ( 2 ) - بلاغة الحسين : 43 .
مفاهيم القرآن — صفحة 403 | الشيخ جعفر السبحاني