إنّ الموارد التي بايع فيها المسلمون رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم جميعاً أو فرادى ، لا تنحصر في هذين الموردين ، بل هي أكثر من ذلك ، وفي جميع تلك الموارد يبدو جليّاً أنّ المبايعين كانوا - بعد أن يؤمنوا بنبوّة النبيّ ويعترفوا بقيادته وزعامته - يصبّون ما يلازم ذلك الإيمان ، من الالتزام بأوامر الرسول وإطاعته في قالب ( البيعة ) ، فكانت البيعة صورةً عمليّةً للالتزام النفسيّ بأوامر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بعد الإقرار بنبوّته والاعتراف المسبق بزعامته .
ولو أمعن القارئ الكريم في تفاصيل الموارد التي بايع فيها المسلمون كلهم أو بعضهم ( النبيّ ) لوجد ؛ أنّ البيعة لم تعن الاعتراف بزعامة الرسول ورئاسته فضلًا عن نصبه وتعيينه ، بل كانت لأجل التدليل على ذلك الاعتراف والتأكيد العمليّ على الالتزام بلوازم الإيمان المسبق به صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ولذلك نجد النبيّ الأكرم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان يقول : « فإن آمنتم بي فبايعوني على أن تطيعوني ، وتصلُّوا وتزكُّوا » « 1 » .
« وأن تدفعوا عنّي العدوّ حتّى الموت « 2 » ، ولا تفروا من الحرب » « 3 » .
وصفوة القول : أنّ من يلاحظ هذه المضامين ؛ يمكن أن يحدس بأنّ الهدف من البيعة لم يكن هو الاعتراف بمنصب المبايع وانتخابه وتعيينه لمقام الحكومة والولاية ، بل هو ميثاق بين شخصين وهي تندرج تحت قوله سبحانه : « أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ » ( المائدة : 1 ) .
وقوله سبحانه : « وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا » ( الإسراء : 34 ) .
فيجب العمل بمفادها ويحرم نقضها ونكثها .
يقول الإمام أمير المؤمنين في الحث على الوفاء بالبيعة : « وأمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم » « 4 » .
ومن مراجعة خطب الإمام عليّ - عليه السلام - وكلماته في نهج البلاغة ، يتضح أنّ
هامش
( 1 ) - صحيح البخاري : كتاب الإيمان .
( 2 ) - مسند أحمد 4 : 15 .
( 3 ) - مسند أحمد 3 : 292 .
( 4 ) - نهج البلاغة : الخطبة ( 34 ) .