وبعبارة - ثالثة - : فإنّ اللَّه أخرج أبناء الإنسان من ظهور آبائهم إلى بطون أُمهاتهم وقد جعل تكوينهم بنحو خاص بحيث يعرفون ربهم دائماً ، ويحسّون باحتياجهم إليه تعالى .
وعندما يحس الإنسان باحتياجه إلى اللَّه ، ويجد نفسه غارقاً في التوجه إليه سبحانه فساعتئذ يكون وكأنّه يقال له : ألست بربكم ؟ فيقول البشر : بلى أنت ربي . « 1 » خلاصة القول : إنّ الإنسان خلق مؤمناً باللَّه بمقتضى الفطرة الإلهية السليمة الموهوبة له ، وسيظل بمعونة العقل الهادي إلى اللَّه يبحث عن اللَّه ويطلبه ويسأل عنه ، ويظل يواصل هذه المسيرة ما لم يعقه عائق ولم يمنعه مانع .
وعلى هذا فإنّ الميثاق المذكور في الآية لم يكن ميثاقاً تشريعياً وعلى نحو الخطاب والجواب اللفظيين ، بل هو ميثاق تكويني فطري ، وجوابه - كذلك - تكويني فطري .
على أنّ مثل هذا النوع من الحوار والاستيثاق شائع جداً في القرآن الكريم وكذا في محاوراتنا اليومية .
ففي المثال يقال : إنّ اللَّه أعطانا البصر وأخذ منّا الميثاق بأن لا نسقط في البئر .
أو كما يقال : إنّ اللَّه أعطانا العقل وأخذ منّا العهد بأن نميّز به الحق عن
هامش
( 1 ) . راجع لمعرفة هذه النظرية : الميزان : 8 / 333 طبع طهران ، وتفسير الفخر الرازي : 4 / 322 ومجمع البيان : 4 / 498 ، طبع صيدا ، وفي ظلال القرآن : 9 / 58 - 59 ، وقد جعل الأخير وقت استقرار الخلية البشرية في رحم الأُمّ موعد ذلك الميثاق .