فإذا كانت لفظة « ادعوا » في قوله سبحانه : « ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً » ولفظة « لا تَدْعُوا » في قوله سبحانه « فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ » بمعنى المناداة ، فكيف تكون الدعوة الطلبية مستلزمة للدعوة العبادية ؟
إنّ هاتين الآيتين - على فرض دلالتهما - ( ولا دلالة لهما ) لا تدلان على أكثر من النهي عن دعوة غير اللَّه ، وأمّا أنّ دعوته تكون مستلزمة لعبادته فلا يدل ظاهر الآية عليه أبداً ، إذ أنّ النهي عن الشيء ليس دليلًا على كون المنهي عنه مصداقاً للعبادة .
الثاني : انّ الدعوة الطلبية إنّما تستلزم الدعوة العبادية إذا اعتقد الداعي بإلوهية المدعو على مراتبها ، ففي هذه الموارد تستلزم الدعوة الطلبية ، الدعوة العبادية ، بل هي الدعوة العبادية عينها ، وليست مستلزمة لها ، وتكون مثل هذه الدعوة عبادة لا أنّها مسلتزمة للعبادة .
ولكن إذا دعا الداعي أحداً ، مجرّداً عن الاعتقاد المذكور ، فلا تكون دعوته - حينئذ - عبادة له .
ثالثاً : من الغريب جداً أنّ تصح الاستغاثة بالأحياء وتكون مشروعة - على الإطلاق - غافلًا عن أنّه لو كان مطلق الاستغاثة بغير اللَّه ( حتى إذا لم تكن مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية أو مالكية المستغاث ) شركاً لما كان لموت المدعو وحياته أيُّ أثر في هذا القسم .
وما ورد عن النبي الأكرم من أنّ الدعاء مخ العبادة ، فالمراد هو الدعوة الخاصة ، أعني : ما إذا كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية المدعو .
وبتعبير آخر ، أنّ المقصود بالدعاء في الحديث المذكور إنّما هو دعاء اللَّه ، فيكون دعاء اللَّه مخ العبادة .
مفاهيم القرآن — صفحة 592
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٥٩٢